بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٩ - وبُرِّزت الجحيم
أنها نتيجة الظروف المحيطة بابن آدم؟.
لا ندري، ولعل ثمة عوامل شتى، ولكنه في النهاية تعبير عن رغبة الإنسان في تقمُّص دور الإله ذي القول الفصل في كل شيء. فترى هذا الإنسان يتصوَّر أن ما يقول به ويرتئيه هو الحق. بل قد تراه يقول شيئاً، ويحكم حكماً، ويظن أن الله عزَّ وجلَّ سوف يُوافقه القول، ويُؤيِّده في الحكم. فكأنه قد أبرم عقداً مع الله سبحانه بهذا الخصوص.
ولكنه في خضمّ ذلك، يغفل أو يتغافل عن الحقيقة الهامة بأن الاعتراف بالخطأ فضيلة، هذا الاعتراف المبني أساساً على حب الحقيقة، والرغبة في التعرُّف إليها، وعلى ما لدى المعترف من شجاعة ورجاحة عقل.
والسؤال: كيف نتخلَّص من هذا الداء الوبيل؟.
إنما يمكن ذلك عبر تذكُّر الآخرة وتفاصيلها. إذ يتأكَّد له أن ما ينطق به من قول، وما يقوم به من فعل سوف يراه يوم القيامة، وسوف يُحاسَب عليه حساباً دقيقاً.
وهذا التذكُّر يدعوه دوماً إلى مراجعة الذات، ومِنْ ثَمّ محاسبتها بنفسه، قبل أن يُوقَف عند الميزان للحساب.
أقول: إن مراجعة الذات، ومحاسبتها على ما يصدر منها، تُترجم وتعكس حدوث تحوُّل عميق، وانقلاب جذري في الذات .. بين ذاك الإنسان الذي يجعل من نفسه ميزاناً، وبين الآخر الذي يجعل الحق ميزاناً، وهو شيء آخر بعيد عن أهوائه النفسية، وضلالاته الفكرية، لئلا يقع صريع الغواية والإغواء.