بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٢ - الطعام والشراب آية الربوبية
الإنسان ولم يَسْقِهِ للفترة الأولى من حياته ثم بدا له أن يتركه لشأنه، أو يَكِلَ أمر رعايته والتلطُّف به إلى غيره. فالله تبارك وتعالى شاء أن يكون عطاؤه للمخلوق متواصلًا متَّسقاً.
فما دام المخلوق مخلوقاً، فهو محتاج إلى خالقه.
وحيث وردت ياء النسبة على الفعل المضارع يُطْعِمُني وَ يَسْقينِ، فإن من معاني ذلك أنه- تبارك اسمه- مُتوجِّه إلى كل فردٍ فردٍ من أفراد مخلوقيه؛ أي إنه سبحانه لا ينظر برحمته وبركته إلى أمة من الأمم نظرة إجمالية فقط، وإنما يُنعم على كل فرد من أفرادها على وجه التحديد.
وهذه الحقيقة الإلهية تفرض على الإنسان أن يعزو كل نعمة تصل إليه إلى الله الخالق المنعم، حتى وإن توالت عليها الأيدي قبل وصولها إليه؛ لأن المنعم الحقيقي هو الله الخالق تبارك وتعالى. أما الأيدي التي تراتبت على النعمة، كالفلَّاح بالنسبة إلى الطعام، أو الخياط بالنسبة إلى اللباس، أو الطبيب بالنسبة إلى الصحة، وغير ذلك من أمثال النعم، فما هي إلَّا وسائل شاء الله تعالى أن تمرّ بها النعم حتى تصل إلى الإنسان، لتتشابك العلاقات الإنسانية، وتؤطَّر بإطار الحاجة المتبادلة فيضمن العيش والحياة الطبيعية في المجتمع الإنساني. وآية ذلك أن الجميع محتاجون إلى غيرهم، ولما كانوا محتاجين، فالنعم- إذن- تصلهم من مصدر خارج عن دائرتهم الإنسانية و (المخلوقية) وإلَّا فإن كفًّا مخلوقةً تُعطى، كيف تُعطي؟.
وتتجلَّى حاجة الإنسان إلى الطعام والشراب- أكثر ما تتجلَّى- حينما يفقد من يُوصل إليه الطعام أو الشراب، فتراه إذ يُشرف على الموت في ساعات الشدَّة، يتعلَّق بالله عزَّ وجلَّ ويرجوه نعمة الشراب أو الطعام بشكل مباشر، بعد أن يُخرج عن دائرة ذهنه جميع الوسائل