بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣١ - واغفر لأبي
إن الجانب المُتغيِّر في حياة الإنسان مرتبط بإرادة الربِّ، وبما نجهله من السُّنن الربانية التي تحكم الطبيعة ومجريات الأمور، ولعلها أكثر مما نعرفه من هذه السنن.
ولذلك؛ نجد العلم الحديث وفلسفته يمشيان بِرِجْلٍ عرجاء، وعينٍ عوراء، حتى أن علماء اليوم، وساسته، ومَنْ هم على شاكلتهم، يبذلون قصارى جهودهم لتخِّطي هذه الحقيقة، فلا ينجحون. حقيقة أن المستقبل بيد الله، ومتعلقٌ بإرادته، وكأنهم- بخططهم الجاهلة- قد أعلنوا الحرب على إرادة الربِّ القدير. فتراهم- إذ ذاك- يركسون في أزمات هي أشدّ وأخطر من تلك الأزمات التي خطَّطوا للتخلُّص منها.
وهنا بالذات يكمن جوهر الخلاف بيننا نحن الموحدين والعلمانيين وغير المؤمنين بالله سبحانه وتعالى. فنحن نُؤمن ونقول إن الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [١]، فهو الذي بسط سيطرته على مقدرات خلقه وهيمن بتدبيره عليها بأسمائه الحسنى، برحمته التي وسعت كل شيء، وبحكمته البالغة.
ولذلك نحن نسأله وندعوه فيما يتعلق بالمتغيِّرات وبالثوابت، لأنه قادر على تغيير الثوابت كما تدبير المتغيرات، كتحويل النار إلى برد وسلام، تلك النار التي لا يُمكن تحويلها إلى طبيعة باردة من وجهة النظر العلمية، ولكن لما كانت لله المشيئة التامة في كل شيء، فإنه لاريب قادر على تغيير سننه في خلقه، ومنها أن النار تحرق، لأنه هو الخالق، والمُقدِّر، والمُدبِّر.
إن حسابات الدنيا لا تطغى على إرادة الله أبداً، لأن ربَّ العزَّة هو الذي وضع هذه الحسابات ورسمها. وفهمُ هذه الحقيقة السامية
[١] سورة طه، آية: ٥.