بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٦ - فقط رب العالمين
أخرى حجبتهم- بدورها- عن كشف الحقائق الخارجة عن نطاق المادة، حيث نشأت فيهم فكرة خطيرة تقول: إنّ الحقيقة هي الأمر الخاضع بواقعه إلى المبضع، وما سواه باطل لا وجود له؛ أي إن ما يخضع للتجربة على الطاولة هو الحقيقة فحسب.
وهم خاطئون- دون أدنى شك- في مذهبهم هذا؛ ذلك لأن التجربة ليست إلَّا وسيلة واحدة. وبتعبير آخر: إنها ليست غير منهج واحد من جملة وسائل ومناهج المعرفة الموصلة إلى الحقيقة؛ إذ إن المناهج متنوِّعة، ولذلك تراهم- بخطئهم الخطير هذا- قد حرموا أنفسهم من كثير من المعارف والعلوم المهمة جدًّا، وها هو واقعهم المعاش اليوم يُؤكِّد إن الحضارة الغربية تحاول عاجزة التحليق بجناح واحد.
إن عداوة الأصنام للإنسان قد لا تنشأ بسبب خبثٍ فيها، بقدر ما هو بسبب موقف سلبي للإنسان تجاهها. ومن ذلك ما نجده في المسيحيين الذين صاروا يعبدون عيسى بن مريم عليهما السلام ويتَّخذونه إلهاً، أو اليهود الذين أشركوا بالله عزَّ وجلَّ واتَّخذوا من النبي عُزَيْرٍ ابناً له. فموقف هؤلاء وأولئك تجاهما هو الخاطئ، وليس شخصا النبيين الكريمين.
٢- إِلّا رَبَّ الْعالَمينَ
لعل النبي إبراهيم (ع) أراد بالتذكير بهذا الاسم الإلهي المُقدَّس، الإشارة إلى أن الإله الجدير بالعبادة لا بد أن يكون ربًّا للعالمين، حيث إن الإله المعبود لا يمكن أن يكون إلهاً لبعض الموجودات دون البعض الآخر، نظراً لأن الخلق بأسره ناتج عن فعل إله واحد، وليس آلهة متعددة، وإن تدبيره يتم من عرش واحد.