بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٥ - ربُّ السماوات والأرض
وأن الأنهار تجري من تحته .. ولكنه كان يُحاول القفز على الحقيقة المتجذِّرة في كل فطرة، وهي أن الخالق هو الربُّ وليس غيره.
لقد استهدف موسى (ع)، بعد أن تجاوز فرعون في خطابه، وراح يستصرخ ضمائر الناس الحاضرين- أذهان الكافرين-، ويكشف لهم أن سماواتٍ أخرى غير التي يرونها قد خلقهن الله تعالى، وفي ذلك دعوة إلى الخروج على نطاق الرؤية المعروفة. كذلك دعاهم إلى الإيمان بأن الكون عبارة عن وحدة واحدة، والكون يحوي السماوات والأرض وما بينهما، وحيث كانت الحقائق مترابطة في وحدة واحدة، وهي فقيرة- في حقيقة الأمر- إلى خالق واحد، والخالق الواحد لابد أن يكون قادراً وقويًّا بما يفوق قدرة وقوَّة هذا الكون الكبير .. وحيث يثبت ذلك، فأنَّى لفرعون- هذا البشر الضعيف المخلوق- أن يُنافس ذلك الواحد الأحد؟.
ولا ريب في أنَّ الآية عبارة عن تلخيص موجز للغاية واختزال شديد لمجمل الحوار الذي دار في قصر فرعون، وإلَّا فإن من المُستبعد أن تكون جملةً واحدةً- وبهذا الاختزال الشديد- هي كل الحوار الذي جرى في ذلك المحفل، وسعى النبي موسى من خلاله أن يخترق العقول والعواطف المتحجِّرة لفرعون والفرعونيين.
لقد كشف النبي موسى (ع) لفرعون وقومه أن المشكلة الأساسية تكمن في عقولهم ونفوسهم، ولا شيء يحول دون إيمانهم إلَّا كونهم غير مُوقنين بالحقائق الوجودية. وهذا يعني أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في الأدلة والحجج؛ فموسى (ع)- إذن- دعاهم إلى إصلاح أنفسهم قبل التمادي في الجدل والطغيان؛ لأنَّ من يُصلح نفسه يتسنَّى له النظر إلى الحقائق، ومن يعرف نفسه بعد إصلاحها يتهيَّأ له أن يعرف