بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٨ - فوهب لي ربي حكماً
مرحلة طبيعية في عملية الصراع ضد الطغاة الحكَّام والفاسدين من المجتمعات.
وأما قول النبي موسى لَمّا خِفْتُكُمْ، فلأنه لم يكن رسولًا مأموراً بإبلاغ الرسالة مهما كانت الظروف. فهو حين الهجرة، كانت الهجرة بالنسبة إليه قضية إنسانية تقتضيها مشاعر بشرية، وإنما فضَّل الانفصال عن أرض مصر متوجِّهاً إلى مدين- بحكمة الله وإرادته- ليزداد سموًّا ورفعةً في مقامه .. لأنه هجر القوم الظالمين، فتسنَّى له أن يُبلِّغه الله مقام الرسالة، ويهبه الحكم، ويُكلِّفه أمر العودة.
٢- فَوَهَبَ لي رَبّي حُكْمًا وَ جَعَلَني مِنَ الْمُرْسَلينَ
عزا النبي موسى (ع) الموهبة العظيمة التي تشمل الحكم والرسالة إلى ربِّه، وهكذا جرَّد فرعون عن أن يكون هو الذي ربَّاه، كما أراد الطاغية أن يَمُنَّ عليه.
ويبدو أن الفرق بين الحكم والرسالة، هو أن الحكم يعني النُّبَوَّة، بينما الرسالة تعني إبلاغ النُّبَوَّة، وهاتان مرحلتان. ولقد جمع الله تبارك وتعالى لموسى (ع) نعمتي النبوة والرسالة.
وما يمكن فهمه من مفردة الحكم أنه معرفة القضايا الاجتماعية، ومعرفة حكمها بما تفرضه النُّبَوَّة بوحي من الله تعالى. ولأن الناس لابد لهم من مرجعية يرجعون إليها لحل خلافاتهم، كان لا بد لهم من حاكم يستلهم من الله تعالى قواعد الحكم بينهم.
ومن الممكن القول بأن الحكم يعني قابلية الحكومة، إذ ينبغي للحاكم أن تكون لديه القدرة على الحكم بين الناس. ونحن نجد التبادل بين كلمتي الحكم والحكمة في آيات الكتاب، فكأن كلمة الحكمة