بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٨١ - تنزيل رب العالمين
النفس، وفيها الكثير من الجهل، ومن العصبيات، ومن الشهوات، وفيها ما فيها، حتى أن الحقائق التي تتضمَّنها، هي حقائق مشوَّهة وغير مُكتملة، بل ليس لها أن تكتمل. فليس لأحد الادِّعاء بكمال قوله واكتمال خطابه، اللهم إلَّا الذين اتَّصلوا بالوحي وتحدَّثوا عنه.
أما كلام غيرهم، فيُفصح عمَّا فيه من نقص، وخطأ، وجهل، وظلام.
أرأيت قول القائل: (القتل أنفى للقتل) في معرض ردعه من يعزم على ارتكاب جريمة القتل؟.
ولكن القرآن المجيد قال عوضاً عن ذلك- وبما يتجانس مع الفطرة الإنسانية التي تعود خلقتها إلى مُنزل القرآن نفسه- وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي اْلأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [١].
فأين هذا التعبير الشامل، الصادق، المؤثِّر، الرادع، من ذلك التعبير الجاهلي الذي لا ينم إلَّا عن نقص، وخطأ؟.
وإذا كانت ثقافة البشر مشوّشة وخليطة فالحاجة إذن شديدة إلى بصائر شفَّافة نقيَّة، وهي المتوافرة في القرآن المجيد.
- وَ إِنَّهُ لَتَنْزيلُ
وليس نزولًا. فالتنزيل تدرُّج في النزول، مراعاة لقدرة البشر على استيعاب بصائر الوحي الجليلة؛ فهو يشتمل على تناسق وتناغم جمّ بين العطاء والاستيعاب. وهذا من أدلة الحكمة الربانية، وهو دليل ناصع على كون القرآن مُنْزَلًا من عند الله العزيز الحكيم.
[١] سورة البقرة، آية: ١٧٩.