بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٨ - إن في ذلك لآية
أما الثاني: فهو لا يهتم بالتاريخ، ولا يهمّه المستقبل، وإنما يُريد- وإرادته مجرَّدة عن العقل والمنطق والإيمان- أن يتناول لقمته الموضوعة بين يديه، ويُلِّبي غريزته التي تدغدغه في كل حين. وهل رأيت كافراً مهتمًّا بمصدر لقمته، أو طريقة إرضاء وإشباع غريزته؟.
إنه مُتحلِّل من قيم السماء ونداء الفطرة.
والآيات الكريمة في سورة الشعراء تُشير إلى الله تعالى وتُذكّر به، وهو الذي تجلّى لعباده في كتابه، ولكن الناس لا يُبصرون في الغالب.
وقصة النبي لوط (ع) لم تسردها هذه السورة للاسترسال معها والاستلذاذ بها، وإنما لنتعرَّف من خلالها على ربِّنا ونزداد إيماناً به، ولنعرف أن الذي نجَّى لوطاً وأهله هو الله، وأن الذي دمَّر القوم الفاسقين هو الله أيضاً، فهو الذي بيده مقاليد الأمور كلها، ولنعرف إِنَّ في ذلِكَ لآيَةً.
ولكن مشكلة البشر أنهم لا يُولون موضوع الإيمان الحقيقي والصادق والفعَّال الأهمية اللازمة، أو أنهم لا يُنمُّون هذا الإيمان في ضمائرهم فلا يعيشون معه، ولا يرون الأشياء والأمور من خلاله وبه، ولا يتساءلون عن قيمة الحياة الدنيا بلا معرفة بالله تعالى خالقها. فيما المؤمن، من بين كل أفراد البشر، يصنع من محيطه كله وسيلة ومعراجاً إلى ربِّه، بينما الكافر يُحوِّل كل شيءٍ حجاباً بينه وبين ربِّه؛ فهو يلهو بالأموال، والأولاد، والتجارة، والعلاقات عن ذكر الله. والمؤمنون رجال لا تُلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، شاكرين في خضم ذلك ربِّهم على ما رزقهم، ووفَّقهم، وفقَّههم في دينهم.