بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٧ - التمييز الطبقي
مسار الاستكبار والاستعلاء؟. وكيف يأخذ بيد أفراده إلى خير الدنيا وسعادة الآخرة؟!.
مما نستلهمه من هذه الآية الكريمة بالذات، أن الطبقية، والعنصرية، وسائر الثقافات التي تُميِّز بين الإنسان والإنسان، ليست بالعمل الصالح والتقوى. وهي إذا ما استشرت في الوسط الاجتماعي، فإنها لن تتوقَّف عند حدّ؛ إذ سوف تتسبب بتشظي الأمة المرة بعد المرة، حتى تصل بالإنسان المفرد إلى الشعور الباطل بكونه متميزاً عن غيره، اللهم إلَّا ضمن المقاسات المادية. فتراه يضطر إلى العيش ضمن زنزانة نفسه الأمَّارة بالسوء، والعياذ بالله.
فمثلًا؛ لو قلنا بأن المال هو المميِّز الحق للإنسان عن الإنسان، وإن طبقة الأغنياء تختلف عن طبقة الفقراء، تشظى المجتمع. كيف؟.
لأن الفقراء لن يكونوا بمستوى واحد، وكذلك الأغنياء ليسوا بدرجة واحدة. فإذا الأغنياء يتمايزون فيما بينهم بنسبة ما يملكون، فهناك الغني الغني، وهناك الغني الفقير، وهناك الغني الأغنى .. وهكذا تتشظى المستويات الاجتماعية ضمن هذا المقاس، إذ تضيق وتضيق، حتى يصل الأمر بالفرد أن يعيش في زنزانة نفسه. وبالتالي تكاد المشتركات تنعدم بين أفراد المجتمع.
بينما الدين هو أرقى قاسم ومقاس يمكن أن يتطلَّع إليه الإنسان، لأنه هو الذي يأخذ بيد الإنسان والأمة إلى الوحدة الاندماجية، ولا يُمكن لأي عامل آخر أن يُداني أو يُنافس عامل الدين، وليس الدين غير تقوى الله تعالى، وإطاعة النبي بما يأمر أو ينهى.
إن عالَم الاستعلاء يُقدِّس المادة، ويخضع لكل من هو أقرب في حساباته إلى المادة المتجسدة في السلطة، أو المال، أو غير ذلك.