بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨١ - كذبوا المرسلين
الجمع لتشمل العبارة كل المرسلين. لماذا؟.
لعله لأنّ تكذيب القوم لنبيهم- وهو رجل واحد- يعني تكذيبهم لكل المرسلين عليهم السلام؛ لأن بعثتهم وحركتهم واحدة، ولابد لمن يريد الإيمان بنبي، أن يؤمن بجميع الأنبياء دفعةً واحدة، بل حتى أن المرسلين كانوا يُبشِّرون أقوامهم بمن يأتي من بعدهم من الأنبياء عليهم السلام، كما كانوا يُصدِّقون من مضى من سلفهم، إضافة إلى أنهم كانوا يأخذون الميثاق من أقوامهم بالإيمان بولاية خاتم الأنبياء والمرسلين محمد (ص) ليرقوا بإيمانهم إلى أسمى المراتب.
ويمكن القول بأنّ قوم نوح (ع) قد كذَّبوا حتى بِمَنْ سبقه من المرسلين، كآدم، وشيث، وإدريس، وأنبياء آخرين لا نعرفهم نحن.
ولعل تكذيب قوم نوح (ع) لنبيِّهم لم يكن تكذيباً وإنكاراً للخالق سبحانه، لاسيما وأنه لم يَدْعُهم إلى الاعتراف بالله الخالق، بقدر دعوته إياهم بأن يتَّقوه. ولا يُمكن أن يتَّقي المرء ربًّا لا يُقرُّ بوجوده ولا بوحدانيته. مما يعني أن كثيراً من نماذج وصف القرآن المجيد أقواماً بالكفر لا يستوجب القول بأنهم جاحدون للخالق رأساً، وإنما القرآن يعتبر عصيان الأنبياء عليهم السلام في نصائحهم، ودعواتهم لأقوامهم لاعتناق الدين والصلاح كفراً، لأن عاقبة العصيان هذا هي عاقبة الجحود بالله عز وجل ذاتها.
وهذا التكذيب يتضمَّن تنكُّراً من جانب قوم نوح (ع) للحقيقة القائلة بضرورة الاتعاظ بتجارب الآخرين، لا سيما إذا كانت هذه التجارب تجارب مفصلية من حيث الحقب الزمنية، إضافة إلى كونها عائدة برمتها إلى أمم وشعوب، فهي تجارب جماهيرية وليست تجارب فردية يصعب التعرُّف إلى أسبابها وتفاصيلها.