بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٩ - كذبوا المرسلين
مما يُشير إلى أن القرآن الكريم لا يعتمد السياق التاريخي بقدر اعتماده لسياق موضوع السورة وما فيها من مقاصد.
فسورة الأعراف- مثلًا- كان مقصدها الكبير هو الإنسان، لذلك جاء فيها الحديث مبتدئاً بآدم (ع).
وسورة هود، كان حديثها الأكبر عن موضوع الاستقامة، لذلك نراها اهتمت بمعالجة قصة النبي نوح (ع) باعتباره الأشد استقامة في تاريخ الرسل.
وسورة القصص، كانت تتحدَّث عن قصة الحضارة، لذلك بدأت واهتمت بقصة النبي موسى (ع) وجعلتها مدار بحثها، نظراً لدمار الحضارة الفرعونية، وتأسيس حضارة الموحدين بقيادة النبي موسى، كليم الله.
وعلى أية حال؛ لا بد من إجراء تحقيق ودراسة عميقة في تسلسل القصص القرآني، والتعرُّف إلى طبيعة ارتباط هذا التسلسل بمقاصد السور القرآنية.
أقول: بدء الحديث في هذه الآيات الخاصة بقصة نوح (ع) ببيان التكذيب به من جانب قومه، ذلك لأن التكذيب هو آخر مفصل من مفاصل المواقف بين من يدعو إلى ربِّه، ويُبيِّن آياته، ويُؤدِّي رسالته بأمانة تامة، ومن يرفض هذه الدعوة، ويحاربها، فهو بالتالي يُكذِّب بها.
١- كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ
وهنا؛ كأن الفعل كَذَّبَتْ يُوحي بأن قوم نوح قد رفضوا نوحاً ورسالته رفضاً باتًّا، وكذّبوا به تكذيباً مطلقاً. وذلك ما يعبّر عن ظاهرة شاذة؛ ويأتي شذوذها العجيب من أن قوماً يتَّخذون ممَّن يُريد نفعهم وخيرهم موقفاً سلبيًّا إلى أبعد الحدود.