بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨١ - يفسدون ولا يصلحون
والله تعالى يشير إلى هذه الحالة فيقول وَ إِذا قيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي اْلأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ [١].
وفي الحقيقة؛ هناك أكثر من علامة على الصلاح، فهي السير في اتِّجاه سُنن الله سبحانه، وهي أيضاً ما تنعكس على وجدان الإنسان فيراها معروفاً ويُنكر نقيضها، وهي تلك السُّنن التي تتَّفق عليها كلمة العقلاء في الأرض كلها. هذه علائم سُنن الله، ومن يعمل على تغيير هذه السُّنن، فذاك هو المفسد.
فلقد خلق الله تعالى العالمين خلقاً منظماً صحيحاً لا عوج فيه، ولا يفسد حتى يأتي من يتسبّب في تعطيل حركته شيئاً ما، كهؤلاء الذين يفسدون البر، والبحر، والهواء.
ثم العلامة الأخرى للإفساد في الأرض هي عدم تحقيق طموحات الناس والحيلولة دون تحققها. فللناس حقوقهم، وقد عدّها الإسلام (٢١) حقًّا مسلّماً به، حسب ما استفدناه من مصادر الوحي، وهي متكاملة بحيث تتصاغر أمامها الوثائق العالمية في حقوق الإنسان. فمن يسعى إلى نيل ابن آدم حقوقه كاملة، فهو المصلح، وعكسه المفسد. قال سبحانه وتعالى إِنَّما جَزاءُ الَّذينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي اْلأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْديهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ اْلأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي اْلآخِرَةِ عَذابٌ عَظيمٌ [٢].
فمن يخالف نظام الخلقة، ويشهر السلاح، ويستخدمه لغرض سيطرته الغاشمة على الآخرين مفسد، لأنه يخالف في الحقيقة إرادة الله
[١] سورة البقرة، آية ١١.
[٢] سورة المائدة، آية ٣٣.