بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٨ - اصبحوا نادمين
الوصول إليه.
كذلك ابن آدم، لا يبتعد في انحرافه فحسب، وإنما هناك الشيطان، والنفس الأمَّارة بالسوء، يزيدان من انحرافه إلى حدٍّ بعيد، وقد قال سبحانه وتعالى وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبينٌ [١].
فالشيطان لا يدعو ابن آدم- بادئ ذي بدء- إلى ارتكاب عظيم الجرائم، وإنما يدعوه إلى مُحقِّرات الذنوب، فإذا زاولها استأسد عليه وقاده إلى الانحراف الكبير، حيث لا يضبطه وجدان، ولا عقل، ولا شريعة، ولا حياء. وهنالك يرتكب ما يرتكب.
وكذلك هي النفس الأمَّارة بالسوء، التي تُخادعه بتعظيم بعض الضغوط الطبيعية التي يتعرَّض لها كل إنسان، ولكنها ترسم أمام وجدانه صورة سوداوية، فتنسحب هذه الصورة لتكون غشاءً سميكاً على قلبه وعقله، فتركس به إذ ذاك في حضيض الغفلة، والجهالة، والضياع.
لقد كانت ناقة صالح آيةً مبصرةً، وكانت تلك الآية التي أرادوها وتحدّوا صالحاً (ع) على قدرته على الإتيان بها، بل إن تحدِّيهم هذا كان يُوحي بتعهُّدهم بالإيمان له إن هو جاء بها، لأنهم علّقوا إتيانه بها على احتسابهم إياه من الصادقين. ولا مناص لهم عن تكذيب من أقروا بصدقه، ولكن أنّى لهم أن يُؤمنوا له وقد جُبلوا على اتِّباع الشيطان، وأسلموا قياد أنفسهم إليه؟.
وهذا لعمري ديدن المواجهين للأنبياء، والأئمة، والأولياء عليهم السلام، إذ لا يرعوون عن منكر يفعلونه، بل وتأخذهم العزَّة بآثامهم،
[١] سورة البقرة، آية: ١٦٨.