بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٨ - تقليد الآباء
في كل الأحوال لا يعني اتِّهامهم بالتخلُّف والانحراف.
بلى؛ إن من واجب الأولاد احترام آبائهم وأمهاتهم، والإحسان إليهم، ومصاحبتهم بالمعروف. ولكن الاحترام والمصاحبة بالمعروف لا تعنيان بحال من الأحوال قبول كل أقوالهم أو أفعالهم، كما إن عدم القبول المطلق لكل أقوالهم وأفعالهم لا يعني بحال من الأحوال تناسي حقوقهم، وعدم بُرِّهم، وترك الإحسان إليهم.
إن الله سبحانه وتعالى يُبيِّن لنا- من خلال هذه القصة الإبراهيمية- أن على الإنسان ألَّا يسمح للتعصب الأعمى لذويه السالفين- مثلًا- أن يستولي عليه، ويُحدِّد مساره في مشارب الحياة؛ ذلك لأن السالفين أمة قد خلت، لهم ما اكتسبوا، وللجيل الراهن ما اكتسب، حتى أن الله تعالى يُعلِّم الإنسان ألَّا يفرض العصمة إلَّا لمن عصم هو، وذكَّرنا بذلك حين قال وَ الَّذينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لإِخْوانِنَا الَّذينَ سَبَقُونا بِاْلإيمانِ وَ لا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحيمٌ [١]، إذ الجميع- إلَّا من رحم الله وعصم- معرَّضون لارتكاب الأخطاء والوقوع في الزلل.
ومن رائع القول، وحسن الموقف أن يطلب المرء لإخوانه في الدين الرحمة، والمغفرة من الله سبحانه وتعالى، لدرء التحجُّر والتعصُّب عن رأيه وموقفه من أسلافه، لأن درء التحجُّر يمنحه القدرة على التبصُّر، واتخاذ الموقف السليم، وتحاشي الوقوع في المطب الذي وقعت فيه الأقوام الماضية، ومنها قوم إبراهيم (ع)، فأدَّى بهم إلى الكفر، والابتعاد عن ربِّ العزَّة والجبروت.
وقد رُوي عن معمر بن خلَّادٍ: «إِنَّ أَبَا الْحَسَنِ (ع) اشْتَرَى
[١] سورة الحشر، آية: ١٠.