بينات من فقه القرآن(سورة الشعراء) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٧ - تقليد الآباء
والجدير ذكره: أن من العوامل المؤثِّرة في رسم واقع الإنسان هما عاملي الوراثة والتربية، فبالعامل الأول يتكرَّس التأثير الجيني باعتباره الوعاء الحامل لصفات الآباء والأمهات التي تنتقل طبيعيًّا إلى أولادهم. وبالعامل الثاني يتكرَّس التأثير التربوي، حيث يفتح الطفل عينه بعين والديه، فيحسبهما اللذين يرزقانه، ومن الطبيعي إذ ذاك أن يُؤمن بهما إيماناً يكاد يكون مطلقاً.
عل من الآباء والأمهات مَنْ يستغل الفطرة النقية للطفل في ضخ الأفكار الباطلة إلى قلبه الفارغ.
ولكن مجمل هذه التأثيرات تنقلب من ظاهرة إيجابية إذا سايرت السنن الإلهية، وهدى العقل، ونداء الفطرة النقية، إلى حالة سلبية تتمثَّل في التقليد الأعمى حتى ولو خالفت العقل والوحي.
ومن هنا، نجد القرآن المجيد قد تناول هذه القضية المصيرية من البُعدَيْن، فتحدث لنا تارةً عن احترام الوالدين، وحذَّر أخرى من الشرك عبرهما، وقال وَ وَصَّيْنَا اْلإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وَ إِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [١].
مما يعني أن طاعة الوالدين قد تنتهي إلى عبادتهما أو الشرك عبرهما، وإنما العلاقة السليمة للتواصل بين الولد ووالديه هي التي تُشيَّد على أساس الإيمان بالله سبحانه وتعالى، واتِّباع تعاليمه.
وحيث لا يُمكن أن تكون كل أفعال الآباء خطأ، كذلك ليست كل أفعالهم قابلة للتقليد، إذ لكل زمان رجاله وتقاليده، فلا يصح اتخاذها جميعاً مساراً للفعل والإنجاز، وكذلك فإن المنع من تقليدهم
[١] سورة العنكبوت، آية: ٨.