بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٢٨٥
الاطهر الاطيب ٩ ، فإن فيه اسوة لمن تأسى ، وعزآء لمن تعزى ، وأحب العباد إلى الله تعالى المتأسي بنبيه ٩ ، والمقتص لاثره ، قضم الدنيا قضما ، ولم يعرها طرفا ، أهضم أهل الدنيا كشحا ، وأخمصهم من الدنيا بطنا ، عرضت عليه الدنيا[١] فأبى أن يقبلها ، وعلم أن الله سبحانه أبغض شيئا فأبغضه ، وحقر شيئا فحقره ، وصغر شيئا فصغره ، ولو لم يكن فينا إلا حبنا ما أبغض الله[٢] وتعظيمنا ما صغر الله لكفى به شقاقا لله ، ومحادة[٣] عن أمر الله ، ولقد كان رسول الله ٩ يأكل على الارض ، ويجلس جلسة العبد ويخصف بيده نعله ، ويرقع بيده ثوبه ، ويركب الحمار العاري ، ويردف خلفه ، ويكون الستر على باب بيته فتكون فيه التصاوير فيقول : يا فلانة ـ لاحدى أزواجه ـ غيبيه عني ، فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها ، فأعرض عن الدنيا بقلبه ، وأمات ذكرها من نفسه ، وأحب أن تغيب زينتها عن عينه ، لكيلا يتخذ منها رياشا ، ولا يعتقدها قرارا ، ولا يرجوا فيها مقاما ، فأخرجها من النفس ، وأشخصها عن القلب[٤] ، وغيبها عن البصر ، وكذلك من أبغض شيئا أبغض أن ينظر[٥] إليه ، وأن يذكر عنده ، ولقد كان في رسول الله ٩ ما يدلك على مساوي الدنيا وعيوبها ، إذ جاع فيها مع خاصته ، وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته ، فلينظر ناظر بعقله أكرم الله محمدا ٩ بذلك أم أهانه؟ فإن قال : أهانه فقد كذب والعظيم[٦] ، وإن قال : أكرمه فليعلم أن الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له ، وزواها عن أقرب الناس منه ، فتأسى متأس بنبيه ، واقتص أثره ، وولج مولجه ، وإلا فلا يأمن الهلكة ، فإن الله جعل محمدا (ص) علما للساعة ، ومبشرا بالجنة ومنذرا بالعقوبة ، خرج من الدنيا خميصا ، وورد الآخرة سليما ، لم يضع حجرا على حجر حتى
[١]عرضت عليه الدنيا عرضا فابى خ ل.
[٢]في المصدر : ما أبغض الله ورسوله ، وكذا فيما بعده. ما صغر الله ورسوله.
[٣]المحادة : المخالفة في عناد.
[٤]أى أزعجها وأبعدها.
[٥]في المصدر : من ينظر إليه.
[٦]في المصدر : وأتى بالافك العظيم.