بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٥٣
لا مقام لي معكم أكثر من يومي هذا ، وغدا توسدوني التراب [١] ، فبكى القوم بكاء شديدا وعلموا أنه مفارق الدنيا ، ولم يزالوا يشاهدونه [٢] حتى طلع الفجر الاول ، فاشتد به الامر ، فقال لهم : اقدعوني وسندونى وآتوني بدواة وقرطاس ، فأتوه بما طلب ، وجعل يكتب وأصابعه ترتعد ، فقال : باسمك اللهم هذا كتاب كتبه عبد ذليل ، جائه أمر مولاه بالرحيل ، أما بعد فإني كتبت إليكم هذا الكتاب وروحي بالموت تجاذب ، لانه لا لاحد من الموت مهرب [٣] ، وإني قد نفذت إليكم أموالي فتقاسموها بينكم بالسوية ، ولا تنسوا البعيدة عنكم [٤] التي آخذت نوركم ، وحوت عزكم سلمى ، واوصيكم بولدي الذي منها ، وقولوا : لخلادة [٥] وصفية ورقية يبكين علي ، ويندبن ندب الثلاكلات ثم بلغوا سلمنى عني السلام وقولوا لها : آه ثم آه ، إني لم أشبع من قربها ، والنظر إليها وإلى ولدها ، والسلام عليكم ورحمة الله إلى يوم النشور ، ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى اصحابه ، وقال : اضجعوني فأضجعوه ، فشخص ببصره نحو السماء ثم قال : رفقا رفقا أيها الرسول بحق ما حملت من نور المصطفى ، وكأنه كان مصباحا وانطفئ ، ثم لما مات جهزوه ودفنوه وقبره معروف هناك ، ثم عزم عبيدة وغلمانه على الرجل بأمواله وفيه يقول الشاعر :
اليوم هاشم قد مضى لسبيله
يا عين جودي منك بالعبرات
وابكي على البدر المنير بحرقة
وابكي على الضرغام طول حياتى
آه أبوكعب مضى لسبيله
يا عين ففابكى الجود بالعبرات
صعب العريكة لابه لوم ولا
فشل غداة الروع والكربات
يا عين ابكي غيث جود هاطل
أعني ابن عبد مناف ذي الخيرات
[١]أى تجعلون تحت رأسى تراب قبرى.
[٢]يساهروه خ ل وكذا في المصدر.
[٣]وروحى بالموت تجذب ومالاحد خ ل وكذا في المصدر وفيه : مالاحد منه مهرب.
[٤]في المصدر : البعيدة الغائبة عنكم.
[٥]في المصدر : لخالدة.