بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٣٩٥
ابنك ، إني أرى لهذا الغلام شأنا عظيما ، قالت : فقلت لنفسي : كم تكتم أمره عبدالمطلب ، أبلغه الخبر قبل أن يأتيه من غيري ، قالت : فدخلت على عبدالمطلب ، فلما نظر إلي قال لي : يا حليمة مالي أراك جزعة باكية ، ولا أرى معك محمدا؟ قالت : قلت : يا أبا الحارث جئت بمحمد أسر ما كان ، فلما صرت على الباب الاعظم من أبواب مكة نزلت لاقضي حاجة فاختلس منى اختلاسا قبل أن يمس قدمه الارض ، فقال لي : اقعدي يا حليمة ، قالت : ثم علا الصفا فنادى : يا آل غالب ، يعني يا آل قريش ، فاجتمع إليه الرجال فقالوا له : قل يا أبا الحارث فقد أجبناك ، فقال لهم : إن ابني محمدا قد فقد ، قالوا له : فاركب يا أبا الحارث حتى نركب معك ، قالت : فدعا عبدالمطلب براحلته فركبها ، و ركب الناس معه ، فأخذ أعلى مكة وانحدر على أسفلها. فلما أن لم ير شيئا ترك الناس واتزر بثوب ، وارتدى بآخر ، وأقبل إلى البيت الحرام فطاف به اسبوعا وأنشأ يقول : ( شعر )
يا رب رد راكبي محمدا
رد إلي واتخذ عندي يدا
أنت ألذي جعلته لي عضدا
يا رب إن محمدا لم يوجدا
حواست جمع كن
حواست جمع كن
حواست جمع كن
حواست جمع كن
فجمع قومي كلهم تبددا [١]
قال : فسمعنا مناديا ينادي من جو الهوآء : معاشر الناس ، لا نضجوا ، فإن لمحمد ربا لا يضيعه ولا يخذله ، قال عبدالمطلب : يا ايها الهاتف من لنابه؟ وأين هو؟ قال : بوادي تهامة ، فأقبل عبدالمطلب راكبا متسلحا ، فلما صار في بعض الطريق تلقاه ورقة بن نوفل فصارا جميعا يسيران ، فبينما هم كذلك إذا النبي ٩ تحت شجرة ، وقال بعضهم : بينا أبومسعود الثقفي وعمرو بن نوفل يدوران على رواحلهما إذا هما برسول الله قائما عند شجرة الطلحة وهي الموز يتناول من ورقها ، فقال أبومسعود لعمرو : شأنك بالغلام ، فأقبل إليه عمرو وهو لا يعرفه ، فقال له : من أنت يا غلام؟ فقال : أنا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم ، فاحتمله بين يديه على الراحلة حتى أتى به عبدالمطلب.
قال إسحاق : فحدثني سلمة ، عن محمد ، عن يزيد ، عن ابن عباس أنه قال : لما أن رد الله محمدا على عبدالمطلب تصدق ذلك اليوم على فقرآء قريش بألف ناقة كومآء [٢] ، و
[١]التبدد : التفرق ، أى مجمع قومى يصيرون متفرقا ومتبددا.
[٢]كوماء : الناقة الضخم السنام.