بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٣٧٣
الله تعالى لالى أن دخلت على عبدالمطلب وهو جالس بالصفا ، وكان له سرير منصوب عند الكعبة يجلس عليه للقضاء بين الناس ، فلما أتته قالت له : نعمت صباحا أيها السيد ، فقال لها : من أين أنت أيتها المرأة؟ قالت : من بني سعد أتينا نطلب رضيعا نتعيش من اجرته ، وقد ارشدت إليك ، فقال : نعم عندى ولد لم تلد النسآء مثله أبدا ، غير أنه يتيم من أبيه وأنا جده أقوم مقام أبيه ، فإن أردت أن ترضعيه دفعته إليك وأعطيتك كفايتك ، فلما سمعت ذلك أمسكت عن الكلام ، ثم قالت : يا سيد بني عبدمناف لي بعل بظهر مكة وهو مالك أمري وأنا أرجع إليه اشاوره في ذلك ، فإن أمرني بأخذه رجعت إليه و أخذته ، فقال لها عبدالمطلب : شأنك ، فوصلت إلى بعلها وقالت له : إني وردت على عبدالمطلب فقال : عندي مولود أبوه ميت ، وأنا أقوم مقامه ، فماتقول؟ قال : يرجعن نسآء بني سعد بالاحسان والاكرام وترجعين أنت بصبي يتيم؟ وكانت جملة نسآء بني سعد قد دخلن مكة ، فمنهن من حصل لها رضيع ، ومنهن من لم يحصل لها شئ ، فقالت حليمة : ترجع نسآء بني سعد بالغنائم [١] ، وأرجع أنا خائبة؟ وأسلبت [٢] عبرتها ، فقال بعلها : ارجعي إلى هذا الطفل اليتيم وخذيه فعسى أن يجعل الله فيه خيرا كثيرا ، فإن جده مشكور بالاحسان ، فرجعت حليمة فوجدته في مكانه الاول فذكرت له قول زوجها ، فقام عبدالمطلب ومضى بها إلى منزل آمنة وأخبرها بذلك وأعلمها باسمها وقومها ، فقالت : هذه التي امرت أن أدفع إليها ولدي ، فقالت لها آمنة : أبشري يا حليمة بولدي هذا [٣] ، فو الله ما أخصبت بلادنا إلا ببركة ولدي هذا ، ثم أدخلتها آمنة البيت الذى فيه المصطفى (ص) ، فقالت حليمة : أتوقدين يا آمنة مع ولدك المصباح في النهار؟ قالت : لا ، فو الله من حيث ولد ما أوقدت عنده النار ، بل هو يغيني عن المصباح ، فنظرت حليمة إلى رسول الله ٩ وهو ملفوف في ثوب من صوف أبيض ، يفوح منه رائحة المسك والعنبر ، فوقعت في قلبها محبة محمد (ص) ، وفرحت وسرت به سرورا عظيما ، وكان نائما فأشفقت عليه أن توقظه من
[١]في المصدر : بالمراضع.
[٢]أسبلت عبرتها : أرسلها والعبرة : الدمعة.
[٣]في المصدر : أبشرى يا حليمة فانك تسعدين بولدى هذا.