بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٤٠٨
ومما كان سنة إحدى عشرة من مولده (ص) ما روي عن ابي بن كعب قال : إن أبا هريرة سأل رسول الله (ص) ما أول ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى جالسا وقال : لقد سألت يا أبا هريرة إني لفي صحراء ابن عشر سنين وأشهر ، وإذا بكلام فوق رأسي ، وإذا رجل يقول لرجل : أهو هو؟ فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط ، وأرواح لم أجدها من خلق قط ، وثياب لم أرها على خلق قط ، فأقبلا إلي يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لاخذهما مسا ، فقال أحدهما لصاحبه : اضجعه ، فأضجعاني بلا قصر ولا هصر [١] ، فقال أحدهما لصاحبه : افلق صدره ، ففلق أحدهما صدري بلا دم ولا وجع ، فقال له : اخرج الغل والحسد ، فأخرج شيئا كرصة العلقة ، ثم نبذها فطرحها ، ثم قال له : ادخل الرأفة والرحمة ، فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة ، ثم هز أبهام رجلي فقال : اعدوا [٢] بنبيكم ، فرجعت بهما أعدوا [٣] بهما رأفة على الصغير ورحمة للكبير [٤].
وأما ما كان سنة اثنتى عشرة من مولده (ص) إلى ثلاث عشرة منه فجروجه (ص) مع أبي طالب إلى الشام ، روي أنه لما أتت لرسول الله ٩ اثنتى عشرة سنة وشهران و عشرة أيام ارتحل به أبوطالب للخروج إلى الشام ، وذلك أنه لما تهيأ للخروج أضب به رسول الله ٩ ، فرق له أبوطالب ، وفي رواية : لما تهيبأ أبوطالب للرحيل وأجمع على السيرهب [٥] له رسول الله ٩ فأخذ بزمام ناقته ، وقال : يا عم إلى من تكلني؟ لا أب لي ، ولا ام ، فرق ، فقال : والله لاخرجن به معي ، ولا يفارقني ولا افارقه أبدا ، فخرج به معه ، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له : بحيرا في صومعة له
[١]أى من دون حبس وكسر ، ويجوز أن يكون القصر بمعنى القهر والغلبة من القسر بالسين فابدل صادا وهما يتبادلان في كثير من الكلام.
[٢]اغدوا خ وهو الموجود في المصدر. ولعل الصحيح : اغذ بينكم أى انطلق بين الناس.
[٣]اغدوا خ وهو الموجود في المصدر ، ولعل الصحيح : أغدو على صيغة المتكلم أى أنطلق قوله : بهما أى بالرأفة والرحمة.
[٤]المنتقى في مولود المصطفى : الباب السادس فيما كان من سنة ثمان إلى سنة إحدى عشرة من مولده ٩.
[٥]هب الرجل من النوم : انتبه واستيقظ. هب : نشط وأسرع.