الإمام الحسين في حلّة البرفير - سليمان كتّاني - الصفحة ١٠١ - عهد الإمام علي
يا للمدرسة في أُقنومها الموحَّد! بسطها جَدُّهُ مُحدَّدة بعليِّ. ويا لحظِّ أخيه الحسن يتناولها مرسومة ولكنَّها محفوفة بالجُهد الممهور بالدم! ولكنْ قبل أنْ يتناولنا الإمام الحسن إلى بساطه الأبيض ، يروق لي أنْ أتبيَّن لون المُعاناة التي راحت تغرق فيها كآبة الحسين بعد مَقتل أبيه الإمام ، هلْ هي الحُزن المألوف طَعمه في لحَظة الموت ، ومفارقة الأحباب لأعزِّ الأحباب؟ أم أنَّها مزيج آخر ، يتولَّد في النفس مِن الإفرازات الأُخرى التي يؤلِّفها الشوق الحميم في تلك النفس ، ويطبعها به على تخصيص وتمييز؟
ما أسرعني إلى أنْ أُجيب نفسي بنفسي! مُنذ أنْ امتلأ الحسين بروعة الإدراك ، وبالتمام التمام ، مُنذ أنْ أدرك أنَّ في تربيته المُلوَّنة لغُزاً مَختوماً بأفخم الأختام ، بدأت تشعُّ على نفسه روائع التكوين ، مُنذ هاتيك اللحظات ، ونفسه كالصفحة البيضاء ، تنهال عليها الأزاميل بالحَفر البليغ ، ومُنذ أنْ أدرك أنَّه مدموج بجَدِّه عنصراً مِن عناصر الصيانة لرسالة هي وحدها بُلغة الإنسان ، وهي وحدها سياج الأُمَّة وتكييفها ضمانة لوجود الإنسان ، توسَّعت حدود نفسه لاستيعاب المُهمَّة الوسيعة ، وعمَّقت بها الآفاق بقدر ما لها هي مِن آفاق عميقة وجليلة.
فيما بعد ، عندما راح يُدرك واقع الأحداث على الأرض ، وكيف تمَّت حياكتها وإخراجها ، كأنَّها مسرحيَّة لبست الغَباء وتبدَّت بالهزل ، والكذب والتهريج ، لتنتهي بمأساة ما كانت ضحيَّتها ـ فقط ـ قيمة إنسانيَّة فذَّة ، طلع بها رجل اسمه عليُّ بن أبي طالب ، بلْ كانت ضحيَّتها أُمَّة برُمَّتها ، تحمَّلت أجيالاً طويلة مِن التردِّي والانحطاط ، حتَّى وهبها الله رجلاً منها ، سكب لها مِن نبوَّة الروح قالباً جديداً صاغها به ودفعها قَدماً إلى السلالم.
لقد تعب في بناء المسرحيَّة المؤلِمة عمر بن الخطاب ، في اللحظة التي غفلت بها عين الرسول عن عمليَّة الزجر والنهي عن تحريك الجمر في وادي الشياطين ، ولقد تمَّ تمثيل المسرحيَّة التي أتقن الرقص على خشبتها عثمان بن عفَّان في مسجد المدينة ، ومُعاوية بن أبي سفيان في غَوطة الشام. أيَّة عُقدة لذيذة تألَّفت بها المسرحيَّة ونامت