جامع المقاصد في شرح القواعد - المحقق الثاني (المحقق الكركي) - الصفحة ١٥ - المذهب الحنفي
و تتلمذ أيضا على الإمام جعفر الصادق، و على أبيه الإمام محمد الباقر عليهما السلام، و على زيد بن علي، و قد أكثر تلميذاه أبو يوسف و محمد بن الحسن الشيباني من الرواية عن الصادق (عليه السلام) في مسنديهما لأبي حنيفة [١].
و كان أبو حنيفة معتزّا بالسنتين اللتين درس فيهما على الإمام الصادق (عليه السّلام) و قد عبر عنهما بقوله: «لو لا السنتان لهلك النعمان».
و كانت طريقة أبي حنيفة في الاستنباط للأحكام الشرعية على ما نقل عنه من الأخذ بكتاب اللَّه فإذا لم يجد فيه أخذ بسنّة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله) المتواترة. أو ما اتّفق علماء الأمصار على العمل بها، أو ما رواها صحابي أمام جمع منهم و لم يخالف فيها أحد، فإذا لم يجد ذلك أخذ بإجماع الصحابة، فإذا لم يجد ذلك اجتهد و عمل بالقياس، فإذا قبح القياس عمل بالاستحسان. و كان تشدّده في عدم العمل بالسنّة سببا في كثرة أخذه بالقياس و الاستحسان و الاجتهاد بالرأي [٢].
و قد اشتهر قول الصادق (عليه السّلام) في ردّ القياس و نفيه عن أن يكون مصدرا من مصادر التشريع «إنّ دين اللَّه لا يصاب بالعقول، و إنّ أوّل من قاس إبليس قال: أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين».
و نتيجة لذلك المنهج الفقهي فقد حدثت بين أبي حنيفة و بين علماء عصره منازعات، و من ذلك ما حدث من وحشة و نفرة بين أبي حنيفة و بين عظماء فقهاء أهل الكوفة، كسفيان بن سعيد الثوري المتوفّى سنة ١٦١ ه، لأنّ أبا حنيفة من أهل الرأي و سفيان من أئمّة الحديث، و شريك بن عبد اللَّه النخعي قاضي الكوفة المتوفّى سنة ١٧٧ ه، و محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى المتوفّى سنة ١٤٨ ه، و كان من أصحاب الرأي و هو الذي يقول الثوري فيه و في ابن شبرمة «فقهاؤنا ابن ابي ليلى و ابن شبرمة».
[١] أدوار علم الفقه: ١٤٢.
[٢] نفس المصدر: ١٤٢.