الإقبال بالأعمال الحسنة - ط الحديثة - السيد بن طاووس - الصفحة ٤٢
و ما كان قد دنا شرّ لقاء المشركين، و ما كان لك أسوة بنفسي[١]، فكيف تقوى على لقاء الكفار بسورة براءة، و ما أنا معك و أنت وحدك؟.
و لم يكن النبي صلّى اللّه عليه و آله ممّن يخاف على أبي بكر من الكفّار أكثر من خوفه على علي عليه السلام، لأنّ أبا بكر ما كان جرى منه أكثر من الهرب منهم، و لم يعرف له قتيل فيهم و لا جريح، و انّما كان علي عليه السلام هو الذي يحتمل[٢] في المبيت على الفراش حتّى سلم النبي منهم، و هو الذي قتل منهم في كل حرب، فكان الخوف على علي عليه السلام من القتل أقرب إلى العقل.
أقول: و قد مضى في الحديث الأوّل انّ مولانا علي عليه السلام بعثه النبي صلّى اللّه عليه و آله لردّ أبي بكر و تأدية آيات براءة بعد فتح مكّة، فينبغي ان نذكر كيف أحوج الحال إلى هذا الإرسال بعد فتح مكّة فنقول:
انّنا وجدنا في كتب من التواريخ و غيرها انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله فتح مكّة سنة ثمان من الهجرة و استعمل على أهلها عتاب بن أسيد بن العيص بن أميّة بن عبد شمس، ثمّ اجتمعت هوازن و قدّموا لحربه عليه السلام، فخرج من مكّة إلى هوازن فغنم أموالهم.
ثم مضى إلى الطائف، ثمّ رجع من الطائف إلى الجعرانة[٣]، فقسّم بها غنائمهم، ثم دخل مكّة ليلا معتمرا، فطاف بالبيت و سعى بين الصّفا و المروة و قضى عمرته و عاد إلى الجعرانة، و منها توجّه إلى المدينة و لم يحجّ عليه السلام تلك السنة.
فلمّا حجّ الناس سنة ثمان و لم يحجّ النبي صلوات اللّه عليه و آله فيها، حجّ المسلمون و عليهم عتّاب بن أسيد، لانّه أمير مكّة، و حجّ المشركون من أهل مكة و غيرها ممّن أراد الحجّ من الّذين كان لهم عهدته مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و من انضمّ إليهم من
[١] الاسوة: القدوة، أي لم تقتد بنفسي و قد أمر اللّه تعالى بذلكحيث قال «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» الأحزاب: ٢١.
[٢] كذا في النسخ، ولعل: احتمل، أي أطاقه و صبر عليه.
[٣] الجعرانة: موضع قريبمن مكة و هو في الحل و ميقات الإحرام.الإقبال بالأعمال الحسنة