الإقبال بالأعمال الحسنة - ط الحديثة - السيد بن طاووس - الصفحة ٧٥
الْكَفَرَةِ، الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَكَ وَ كَذَّبُوا رُسُلَكَ، لكِنَّكَ أَخْرَجْتَنِي رَأْفَةً مِنْكَ وَ تَحَنُّناً[١] عَلَيَّ لِلَّذِي سَبَقَ لِي مِنَ الْهُدَى، الَّذِي فِيهِ يَسَّرْتَنِي، وَ فِيهِ أَنْشَأْتَنِي وَ مِنْ قَبْلِ ذلِكَ رَؤُفْتَ بِي بِجَمِيلِ صُنْعِكَ وَ سَوابِغِ نِعْمَتِكَ.
فَابْتَدَعْتَ خَلْقِي مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى، ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ، بَيْنَ لَحْمٍ وَ جِلْدٍ وَ دَمٍ، لَمْ تُشْهِدْنِي بِخَلْقِي، وَ لَمْ تَجْعَلْ إِلَيَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِي.
ثُمَّ أَخْرَجْتَنِي إِلَى الدُّنْيا تامّاً سَوِيّاً، وَ حَفِظْتَنِي فِي الْمَهْدِ طِفْلًا صَبِيّاً، وَ رَزَقْتَنِي مِنَ الْغَذاءِ لَبَناً مَرِيّاً، وَ عَطَفْتَ عَلَيَّ قُلُوبَ الْحَواضِنِ[٢]، وَ كَفَّلْتَنِي الأُمَّهاتِ الرَّحائِمَ، وَ كَلَأْتَنِي[٣] مِنْ طَوارِقِ الْجانِّ وَ سَلَّمْتَنِي مِنَ الزِّيادَةِ وَ النُّقْصانِ، فَتَعالَيْتَ يا رَحِيمُ يا رَحْمانُ.
حَتّى إِذَا اسْتَهْلَلْتُ[٤] ناطِقاً بِالْكَلامِ، أَتْمَمْتَ عَلَيَّ سَوابِغَ الْأَنْعامِ، فَرَبَّيْتَنِي زائِداً فِي كُلِّ عامٍ، حَتَّى إِذا كَمُلَتْ فِطْرَتِي، وَ اعْتَدَلَتْ سَرِيرَتِي، أَوْجَبْتَ عَلَيَّ حُجَّتَكَ بِأَنْ أَلْهَمْتَنِي مَعْرِفَتِكَ وَ رَوَّعْتَنِي[٥] بِعَجائِبِ فِطْرَتِكَ، وَ أَنْطَقْتَنِي لِما ذَرَأْتَ[٦] فِي سَمائِكَ وَ أَرْضِكَ مِنْ بَدائِعِ خَلْقِكَ، وَ نَبَّهْتَنِي لِذِكْرِكَ وَ شُكْرِكَ وَ واجِبِ طاعَتِكَ وَ عِبادَتِكَ، وَ فَهَّمْتَنِي ما جائَتْ بِهِ رُسُلُكَ، وَ يَسَّرْتَ لِي تَقَبُّلَ مَرْضاتِكَ، وَ مَنَنْتَ عَلَيَّ فِي جَمِيعِ ذلِكَ بِعَوْنِكَ وَ لُطْفِكَ.
ثُمَّ إِذْ خَلَقْتَنِي مِنْ حَرِّ الثَّرى[٧] لَمْ تَرْضَ لِي يا إِلهِي بِنِعْمَةٍ دُونَ أُخْرى، وَ رَزَقْتَنِي مِنْ أَنْواعِ الْمَعاشِ وَ صُنُوفِ الرِّياشِ[٨] بِمَنِّكَ الْعَظِيمِ عَلَيَّ،
[١] تحنّن: ترحّم.
[٢] الحاضنة: التي تقومعلى الصغير في تربيته.
[٣] كلأه اللّه فلانا:حرسه و حفظه.
[٤] استهلّ الصبيّ: رفعصوته بالبكاء عند الولادة.
[٥] روعتني: ألقيت فيروعي و قلبي عجائب خلقتك.
[٦] ذرء: خلق.
[٧] حرّ كل دار و ارض:وسطها.
[٨] الرياش: اللباس الفاخر. الإقبال بالأعمال الحسنة