سيرة ابن إسحاق - محمد بن إسحاق بن يسار - الصفحة ١٦٢ - خبر صحيفة المقاطعة
دخلوا المسجد، و المشركون من قريش في ظل الكعبة، فلما أبصروه تباشروا به، و ظنوا أن الحصر و البلاء حملهم على أن يدفعوا إليهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) فيقتلوه، فلما انتهى إليهم أبو طالب و رهطه رحبوا بهم و قالوا: قد آن لك أن تطيب نفسك عن قتل رجل في قتله صلاحكم و جماعتكم، و في حياته فرقتكم و فسادكم! فقال أبو طالب: قد جئتكم في أمر لعله يكون فيه صلاح [٦٦] و جماعة فاقبلوا [١] ذلك منا، هلموا صحيفتكم التي فيها تظاهركم علينا، فجاءوا بها، و لا يشكون إلا أنهم [٢] سيدفعون رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) إليهم إذا نشروها، فلما جاءوا بصحيفتهم قال أبو طالب: صحيفتكم بيني و بينكم، و إن ابن أخي قد خبرني- و لم يكذبني- أن اللّه عز و جل قد بعث على صحيفتكم الأرضة، فلم تدع للّه فيها اسما إلا أكلته و بقي فيها الظلم و القطيعة و البهتان، فإن كان كاذبا فلكم علي أن أدفعه إليكم تقتلونه، و إن كان صادقا فهل ذلك ناهيكم عن تظاهركم علينا؟ فأخذ عليهم المواثيق، و أخذوا عليه، فلما نشروها فإذا هي كما قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم)، و كانوا هم بالغدر أولى منهم، و استبشر أبو طالب و أصحابه، و قالوا: أينا أولى بالسحر و القطيعة و البهتان؟
فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، و هشام بن عمرو، أخو عامر بن لؤي بن حارثة، فقالوا: نحن براء من هذه الصحيفة القاطعة العادية الظالمة، و لن نمالئ أحدا في فساد أنفسنا و أشرافنا، و تتابع على ذلك ناس من أشراف قريش، فخرج أقوام من شعبهم و قد أصابهم الجهد الشديد [٣]، فقال أبو طالب في ذلك من أمر محمد (صلى اللّه عليه و سلّم) و ما أرادوا من قتله:
[١] في ع: فاقبوا.
[٢] في ع: و لا يشركون إلا بهم.
[٣] يفهم القارئ أن الحصار قد انتهى بهذه الحادثة، لكن ابن إسحاق يتابع الحديث موحيا بأن الحصار قد استمر، و من فحص بقية الخبر يبدو أن هذه البقية تشكل متن رواية جديدة، و على هذا نرى بأن ابن إسحاق كان يدمج الروايات.