سيرة ابن إسحاق - محمد بن إسحاق بن يسار - الصفحة ٩١ - اسلام سلمان الفارسي
اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) إلى المدينة، فجمعت شيئا كان عندي، ثم جئته به، فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، و هذه هدية و كرامة ليست بالصدقة، فأكل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم)، و أكل أصحابه، فقلت هذه خلتان، ثم جئت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) و هو يتبع جنازة، و علي شملتان لي و هو في أصحابه، فاستدرت به لأنظر إلى الخاتم في ظهره، فلما رآني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) استدبر عرف أني استثبت من شيء قد وصف لي، فوضع رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه كما وصف لي صاحبي، فأكببت عليه أقبله، و أبكي، فقال: تحول يا سلمان هكذا، فتحولت، فجلست بين يديه، و أحب أن يسمع أصحابه حديثي عنه، فحدثته يا ابن عباس كما حدثتك، فلما فرغت قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم): كاتب يا سلمان، فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له، و أربعين أوقية، فأعانني أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) بالنخلة ثلاثين و دية (١٤) عشر، كل رجل منهم علي قدر ما عنده، فقال لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم): فقر لها فإذا فرغت فآذني حتى أكون أنا الذي أضعها بيدي، ففقرتها و أعانني أصحابي- يقول حفرت لها حيث توضع- [١] حتى فرغنا منها، ثم جئت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) فقلت: يا رسول اللّه قد فرغنا منها، فخرج معي حتى جاءها، فكنا نحمل إليه الودي فيضعه بيده و يسوي عليه، فو الذي بعثة بالحق ما ماتت منها و دية واحدة.
و بقيت عليّ الدراهم، فأتاه رجل من بعض المعادن بمثل البيضة من الذهب، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم): أين الفارسي المسلم المكاتب؟ فدعيت له، فقال: خذ هذه يا سلمان فأد بها ما عليك، فو الذي نفس سلمان بيده لو زنت لهم منها أربعين أوقية، فأديتها إليهم،- و عتق سلمان- و كان الرق قد حبسني حتى فاتتني مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) بدر و أحد، ثم عتقت فشهدت الخندق، ثم لم يفتني معه مشهد.
[١] أوضح السهيلي في الروص: ١/ ٢٥٠- ٢٥١، أسماء النخلة و أعمال غرسها في مختلف الأوقات، فلينظر.