سيرة ابن إسحاق - محمد بن إسحاق بن يسار - الصفحة ٣٣ - الاستقسام بالقداح عند الكعبة
و كانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما، أو ينكحوا منكحا، أو يدفنوا ميتا، أو شكّوا في نسب أحد منهم، ذهبوا به إلى هبل، و ذهبوا معهم يحزور و مائة درهم إلى صاحبه (صاحب القداح) التي يضرب بها، فأعطوها إياه، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، و قالوا: اضرب، اللهم أخرج على يديه اليوم الحق، ثم استقبلوا هبل، فقالوا: يا إلهنا، هذا فلان بن فلان كما زعم أهله، يريدون كذا و كذا، فإن كان كذلك فأخرج فيه «الغفل»، أو «نعم» أو «منكم» و اقبل هديته فإن خرج من هؤلاء الثلاثة كتب في قومه وسيطا، و إن خرج عليه «من غيركم» كان حليفا، و إن خرج عليه «ملصق» كانت منزلته فيهم لا نسب و لا حلف، و إن خرج فيه شيء مما سوى هذا مما يعملون به «نعم» عملوا به، و إن خرج «لا» أخروه عامه ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون من أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح.
فقال عبد المطلب: اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه، و أخبره بنذره، و أعطاه كل رجل منهم قدحه الذي فيه اسمه، و كان عبد اللّه بن عبد المطلب، أبو رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) أصغر بني أبيه [١]، كان هو و الزبير [٢] و أبو طالب لفاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عبد اللّه بن عمران بن مخزوم، و كان- فيما يزعمون- أحب ولد عبد المطلب إليه، و كان عبد المطلب يرى أن السهم إذا أخطأه فقد أشوى، فلما أخذ صاحب القداح القداح ليضرب بها، قام عبد المطلب عند هبل يدعو و يقول:
اللهم لا يخرج عليه القدح* * * إني أخاف أن يكون فدح
إن كان صاحبي للذبح* * * إني أراه اليوم خير قدح
[١] كذا، و لعل المقصود آنئذ، و بعده ولد لعبد المطلب العباس و حمزة، أو «أصغر بني أبيه لأمه»، ذلك أن سياق الحديث يلي بذكر أمه و اخوته منها.
[٢] المشهور بضبط اسم الزبير هو بضم الزاي المعجمة، لكن هناك من يروي ضبطها بفتح الزاي المعجمة بعدها باء مجرورة.