سيرة ابن إسحاق - محمد بن إسحاق بن يسار - الصفحة ١٩٦ - من عذب في اللّه بمكة من المؤمنين
هشام فإني غريب ابن سبيل، و قد غلبني على حقي، و أنا غريب ابن سبيل؟
فقال أهل المجلس: ترى ذلك الرجل- و هم يهزءون به، إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم)، لما يعلمون بينه و بين أبي جهل من العداوة- اذهب إليه فهو يؤديك عليه، فأقبل الإراشي حتى وقف على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) فقال: يا عبد اللّه إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حق لي قبله، و أنا غريب ابن سبيل، و قد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤديني عليه، يأخذ لي حقي منه فأشاروا لي إليك، فخذ لي حقي منه، رحمك اللّه؛ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم): انطلق إليه، و قام معه، فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم: اتّبعه فانظر ما ذا يصنع [١]، فخرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) حتى جاءه، فضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ فقال: محمد فاخرج إلي، فخرج إليه و ما في وجهه رائحة، قد امتقع لونه، فقال له: أعط هذا الرجل حقه، فقال:
نعم، لا يبرح حتى أعطيه الذي له، فدخل، فخرج إليه بحقه فدفعه إليه، ثم انصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) و قال للأراشي: الحق بشأنك
فأقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه اللّه [٩٠] خيرا فقد أخذ الذي لي، و جاء الرجل الذي بعثوا معه، فقالوا له: ويحك ما ذا رأيت؟
فقال: عجبا من العجب [٢]، و اللّه إلا أن ضرب عليه بابه فخرج و ما معه روحه فقال: أعط هذا الرجل حقه، قال: نعم لا يبرح حتى أخرج إليه حقه، فدخل فأخرج إليه حقه فأعطاه إياه؛ ثم لم يلبث أن جاء أبو جهل فقالوا له:
ويلك ما لك فو اللّه ما رأينا مثل ما صنعت؟! قال: ويحكم و اللّه ما هو إلا أن ضرب على بابي و سمعت صوته فملئت رعبا ثم خرجت إليه و إن فوق رأسي لفحل من الإبل ما رأيت مثل هامته و لا قصرته و لا أنيابه لفحل قط، و اللّه لو أبيت لأكلني.
[١] في حاشية ع: و في رواية: ما ذا يقول.
[٢] في الروض: ٢/ ١٣٣- ١٣٤ «ما هو إلا».