سيرة ابن إسحاق - محمد بن إسحاق بن يسار - الصفحة ١٧ - مقدمة المحقق
لأخباره و مروياته، كل ذلك يحتاج إلى دراسة مفردة لا يتسع لها المجال هنا، و همّنا الآن ينحصر في إخراج نصّ سليم.
تناول ابن إسحاق في كتابه ثلاث موضوعات اعتبرها مترابطة: أخبار الخليقة من آدم و حتى إسماعيل، ثم من إسماعيل حتى النبي محمد، ثم حياة النبي محمد و أعماله قبل البعثة و بعدها، و اعتمد في القسم الأول على مادة الإسرائيليات التي تجمعت عند العرب قبله، و التي أكملها هو خاصة أثناء تحصيله في مصر.
و اعتمد في القسم الثاني على مادة عربية شبه أسطورية تتحدث عن أخبار العرب قبل الإسلام و أنسابهم، و قد صيغت أخبار هذين القسمين بشكل جيد الأداء و العرض أوصل إلى الغرض، و هو صحة أصول نبوة محمد و ارتباطها بغيرها من النبوات التي جاءت خاتمة لها بعد ما كانت كل نبوة تبشر سلفا بهذه النهاية الحتمية التقدير.
و بعد الفراغ من هذين القسمين اللذين جاءا كمقدمة أخذ ابن إسحاق بالحديث عن النبي محمد، و لم يسق هذا الحديث كقصة متسلسلة بل ساقه كوقائع بعضها وقع للنبي محمد بالذات، و بعض آخر لغيره و له مساس قريب أو بعيد به، و حينما تحدث ابن إسحاق عن النبي محمد أثبت تقريبا جميع المادة الاخبارية التي كان المسلمون قد جمعوها عنه خلال القرن الأول الذي جاء بعد وفاته، و يبدو أن ابن إسحاق أولى الفترة المكية من حياة النبي اهتماما أكبر من الفترة المدنية، و قدم لهذا القسم بمقدمة ذكر فيها علامات النبوة عند النبي محمد، و روى جميع قصص البشائر التي بشرت بقرب نبوته و صحتها.
و تتجلى عبقرية ابن إسحاق و تفوقه على الذين سبقوه في ترتيبه لكتابه بشكل فيه منطق و نظام، و ترتيبه هذا و إن جاء غير مثالي تماما، يكفي صاحبه فخرا الإبداع و الدنو من درجة الكمال.
و مادة ابن إسحاق غنية للغاية تكاد تكون حاوية لجميع ما تجمع لدى العرب