سيرة ابن إسحاق - محمد بن إسحاق بن يسار - الصفحة ١٢١ - أول ما ابتدئ به رسول اللّه من النبوة
عليك، رسول اللّه، فكان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة ينسك فيه، و كان من نسك في الجاهلية من قريش يطعم من جاءه من المساكين، حتى إذا انصرف من مجاورته و قضاه لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة حتى إذا كان الشهر الآخر الذي أراد اللّه عز و جل ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه فيها، و ذلك شهر رمضان، فخرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) كما كان يخرج لجواره، و خرج معه بأهله، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه اللّه عز و جل فيها برسالته، و رحم العباد به جاءه جبريل بأمر اللّه تعالى، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم):
جاءني و أنا نائم [١] فقال: اقرأ، فقلت: و ما اقرأ [٢]؟ حتى ظننت أنه الموت، ثم كشطه عني فقال: اقرأ، فقلت و ما أقرأ؟ فعاد لي بمثل ذلك ثم قال: اقرأ، فقلت: و ما أقرأ؟ و ما أقولها إلا تنجيا أن يعود لي بمثل الذي صنع بي فقال:
«اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» ثم انتهى فانصرف عني، و هببت من نومي، و كأنما صور [٣] في قلبي كتاب، و لم يكن في خلق اللّه عز و جل أحد أبغض إلي من شاعر أو مجنون، كنت لا أطيق أنظر إليهما، فقلت: إن الأبعد- يعني نفسه، (صلى اللّه عليه و سلّم)- لشاعر أو مجنون، ثم قلت: لا تحدث قريش عني بهذا أبدا، لأعمدن إلى حالق من الجبل، فلأطرحن نفسي منه، فلأقتلنها، فلأستريحن، فخرجت ما أريد غير ذلك، فبينا أنا عامد لذلك سمعت مناديا ينادي من السماء يقول: يا محمد! أنت رسول اللّه، و أنا جبريل، فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد! أنت رسول اللّه، و أنا جبريل، فوقفت أنظر إليه، و شغلني عن ذلك و عما أريد، فوقفت ما أقدر على أن (٩٣) أتقدم و لا أتأخر و لا أصرف وجهي في
[١] زاد الطبري: ٢/ ٣٠١ في روايته عن ابن إسحاق «بنمط من ديباج فيه كتاب».
[٢] زاد الطبري «فغتني حتى ...» أي عصر في عصرا شديدا.
[٣] في رواية الطبري «و كأنما كتب في ..».