معاني القران للفراء - الفراء، يحيى بن زياد - الصفحة ٢٢٨
واعكمنى وأعكمنى [١] فقوله: احلبني يريد: احلب لي أي اكفنى الحلب، وأحلبنى:
أعنّى عليه، وبقيته على مثل هذا.
وقوله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ... (١٠٣)
الكلام العربىّ هكذا بالباء، وربما طرحت العرب الباء فقالوا: اعتصمت بك واعتصمتك قال بعضهم:
إذا أنت جازيت الإخاء بِمِثْلِهِ ... وآسيتني ثُمَّ اعتصمت حباليا
فألقى الباء. وهو كقولك: تعلقت زيدا، وتعلقت بزيد. وأنشد بعضهم:
تعلقت هندا ناشئا ذات مئزرٍ ... وأنت وقد قارفت [٢] لم تدر ما الحلم
وقوله: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ... (١٠٦)
لم يذكر الفعل أحد من القراء كما قيل (لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها) [٣] وقوله (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ) [٤] وإنما سهل التذكير فِي هذين لأن معهما جحدا، والمعنى فِيهِ: لا يحل لك أحد من النساء، ولن ينال اللَّه شيء من لحومها، فذهب بالتذكير إلى المعنى، والوجوه ليس ذلك فيها، ولو ذكر فعل الوجوه كما تقول:
قام القوم لجاز ذلك.
وقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ يقال: (أمّا) لا بدّ لها من الفاء جوابا فأين هِيَ؟ فيقال: إنها كانت مع قولٍ مضمر، فلما سقط القول سقطت الفاء معه، والمعنى- والله أعلم- فأما الذين اسودّت وجوههم فيقال: أكفرتم،
[١] العكم: شدّ المتاع بثوب. فمعنى اعكمنى: شدّ لى المتاع، ومعنى أعكمنى: أعنّى على العكم. [.....]
[٢] «ناشئا» هو حال من «هندا» وتراه من غير علم التأنيث. والناشئ: الذي جاوز حدّ الصغر. وقوله: «وقد قارفت» حال مقدّمة، والأصل: وأنت لم تدر ما الحلم وقد قارفت أي قاربت الحلم. يقال: قارف الشيء: قاربه.
[٣] آية ٣٧ سورة الحج.
[٤] آية ٥٢ سورة الأحزاب.