معاني القران للفراء - الفراء، يحيى بن زياد - الصفحة ١٣٩
كأنه قَالَ: والذي تحملين طليق. والرفع الآخر أن تجعل كل استفهام أوقعت عليه فعلا بعده رفعا لأن الفعل لا يجوز تقديمه قبل الاستفهام، فجعلوه بمنزلة الَّذِي إذ لم يعمل فِيهِ [١] الفعل الَّذِي يكون بعدها. ألا ترى أنك تقول: الَّذِي ضربت أخوك، فيكون الَّذِي فِي موضع رفع بالأخ، ولا يقع الفعل الَّذِي يليها عليها.
فإذا نويت ذلك رفعت قوله: قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ كما قال الشاعر:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل «٢»
رفع النحب لأنه نوى أن يجعل «ما» فِي موضع رفع. ولو قال: أنحبا فيقضي أم ضلالا وباطلا كان أبين فِي كلام العرب. وأكثر العرب تقول: وأيهم لم أضرب وأيهم إلا قد ضربت رفعا للعلة من الاستئناف من حروف الاستفهام وألا يسبقها شيء.
ومما يشبه الاستفهام مما يرفع إذا تأخر عَنْهُ الفعل الَّذِي يقع عليه قولهم: كل الناس ضربت. وذلك أن فِي (كل) مثل معنى هَلْ أحد [إلا] [٣] ضربت، ومثل معنى أي رَجُل لم أضرب، وأي بلدة لم أدخل ألا ترى أنك إذا قلت: كل الناس ضربت كان فيها معنى: ما منهم أحد إلا قد ضربت، ومعنى أيهم لم أضرب. وأنشدني أَبُو ثروان:
وقالوا تعرفها المنازل من منى ... وما كل من يغشى منى أَنَا عارف «٤»
[١] فى الخزانة ٢/ ٥٥٧: «فيها» وهذا أولى لقوله: «بعدها» .
(٢) من قصيدة للبيد، ومنها البيت المشهور:
ألا كل شىء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
وانظر الخزانة ٢/ ٥٥٦
[٣] زيادة يقتضيها السياق.
(٤) لمزاحم العقيلىّ من قصيدة غزلية. وانظر الكتاب ١/ ٣٦، ٣٧، وشواهد المغنى للبغدادى ٢/ ١٠٧٥