معاني القران للفراء - الفراء، يحيى بن زياد - الصفحة ١٣
يرفعوا هذا «بالأسد» ، وخبره منتظر، فلما شغل الأسد بمرافعة [١] «هذا» نصب فعله الذي كان يرافعه لخلوته [٢] . ومثله «وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» [٣] فإذا أدخلت عليه «كان» ارتفع بها والخبر منتظر يتم به الكلام فنصبته لخلوته.
وأما نصبهم فعل الواحد الذي لا نظير له مثل قولك: هذه الشمس ضياءً للعباد، وهذا القمر نورًا فإن القمر واحد لا نظير له، فكان أيضا عن قولك «هذا» مستغنيا ألا ترى أنك إذا قلت: طلع القمر، لم يذهب الوهم إلى غائب فتحتاج أن تقول «هذا» لحضوره، فارتفع بهذا ولم يكن نعتا، ونصبت خبره للحاجة إليه.
وقوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ... (٧)
انقطع معنى الختم عند قوله: «وَعَلى سَمْعِهِمْ» . ورفعت «الغشاوة» ب «عَلى» ، ولو نصبتها بإضمار «وجعل» لكان صوابا. وزعم المفضَّل [٤] أن عاصم بن أبي النَّجُود كان ينصبها، على مثل قوله في الجاثية: «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً» [٥] ومعناهما واحد، والله أعلم. وإنما يحسن الإضمار في الكلام الذي يجتمع ويدل أوله على أخره كقولك: قد أصاب فلان المال، فبنى الدور والعبيد والإماء واللباس الحسن فقد ترى البناء لا يقع على العبيد والإماء ولا على الدواب ولا على الثياب، ولكنه من صفات اليسار
[١] «بمرافعة» كذا فى ش. وفى غيرها: «بمرافعه» . هذا ومذهب الكوفيين ومنهم الفراء أنّ المبتدأ والخبر ترافعا يعنى أن المبتدأ رفع الخبر والخبر رفع المبتدأ لأن كلا منهما طالب للآخر ومحتاج إليه وبه صار عمدة. [.....]
[٢] أي عدم اشتغاله بمرافع.
[٣] «الله» مبتدأ و «غفور رحيم» خبران، فإذا دخل على الجملة كان يكون لفظ الجلالة مرفوعا بها، وينصب ما بعده.
[٤] هو المفضل الضبّىّ. كان من أكابر علماء الكوفة، توفى سنة ١٧١ هـ.
[٥] آية ٢٣ من السورة المذكورة.