المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٧٢ - محاسن الصبر على الحبس
كأنّهم لم يعرفوا غير دارهم # و لم يعرفوا غير الشّدائد و البلوى
و قال ابن المعتز [١] :
تعلّمت في السّجن نسج التّكك # و كنت امرأ قبل حبسي ملك
و قيدت بعد ركوب الجياد # و ما ذاك إلاّ بدور الفلك
أ لم تبصر الطير في جوها # تكاد تلاصق ذات الحيك
إذا أبصرته خطوب الزمان # أوقعنه في حبال الشّرك
فهذاك من حالك قد يصاد # و من قعر بحر يصاد السّمك
و وجد في البيت الذي قتل فيه، مكتوب بخطه على الأرض:
يا نفس صبرا لعلّ الخير عقباك # خانتك بعد طوال الأمن دنياك
مرّت بنا سحرا ظير فقلت لها # طوباك يا ليتني إيّاك طوباك
و قال أعرابي:
و لما دخلت السجن كبّر أهله # و قالوا أبو ليلى الغداة حزين
و في الباب مكتوب على صفحاته # بأنك تنزو ثم سوف تلين
و في الحديث المرفوع (أن يوسف عليه السلام شكا إلى اللّه تعالى طول الحبس فأوحى إليه أنت حبست نفسك حين قلت: ربّ السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه) ، و لو قلت العافية أحب إليّ لعوفيت. قال: و كتب يوسف عليه السلام على باب السجن: هذه منازل البلوى و قبور الأحياء و شماتة الأعداء و تجربة الأصدقاء.
[١] هو عبد اللّه بن المعتز الخليفة العباسي الذي لم يمكث في الخلافة سوى يوم واحد.
و ذلك أن خصوم الخليفة المقتدر ثاروا به و خلعوه و نصبوا عبد اللّه بن المعتز مكانه، و لكن أنصار المقتدر هاجموا القصر بقيادة مؤنس الخادم و استولوا عليه و قبضوا على عبد اللّه بن المعتز و قتلوه سنة ٩٠٨ م. و هو شاعر و عالم بالبديع.