المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٩٣ - أخبار الشعراء
ابن عشرين و مائة سنة، فقال: إياي فاسألوا عنه. كان من أظرف الناس، خفيف العارضين، آدم حلو المضحك، إذا أنشد اختصر، و أتاني يوما فقال: «إن ميّة منقريّة، و إن بني منقر اخبث حيّ، و أعلمه بأثر، فهل عندك من ناقة نزورها عليها» ؟فقلت: «أي و اللّه، عندي اثنتان» ، قال: فسرنا، فخرجنا حتى أشرفنا على الحيّ و هم خلوف، فعرف النساء ذا الرمّة، فعدلن بنا إلى بيت ميّ، و أنخنا عندها، فقلن لذي الرمة: «أنشدنا يا أبا الحارث» ، فقال: «أنشدهنّ» ، فأنشدتهنّ قوله:
نظرت إلى أظعان ميّ كأنّها # ذرى النّخل أو أثل تميد ذوائبه
فأشعلت النّيران و الصّدر كاتم # بمغرورق تمّت عليه سواكبه
بكى وامق جاء الفراق و لم تجل # جوائلها أسراره؟و معاتبه
فقالت ظريفة منهن: «ابكي اليوم» ، فمررت فيها حتى انتهيت إلى قوله:
إذا سرحت من حبّ ميّ سوارح # على القلب، آبته جميعا عوازبه
فقالت الظريفة: «قتلته، قتلك اللّه» !فقالت: «ما أصحّه، و هنيئا له» . فتنفس ذو الرمّة تنفسا كادت حرارته تساقط لحمي، ثم مررت فيها حتى انتهيت إلى قوله:
و قد حلفت باللّه ميّة، ما الذي # أقول لها إلاّ الذي أنا كاذبه
إذا، فرماني اللّه من حيث لا أرى # و لا زال في أرضي عدوّ أحاربه
فالتفتت مي إلى ذي الرمة، فقالت: «ويحك!خف عواقب اللّه» ، ثم أنشدت إلى أن انتهيت إلى قوله:
إذا نازعتك القول مية، أو بدا # لك الوجه منها، أو نضا الدّرع سالبه
فيا لك من خدّ أسيل و منطق # رخيم، و من خلق يعلّل جاذبه
فقالت تلك الظريفة: «أما القول، فقد نازعتك، و الوجه فقد بدا لك. فمن لنا بأن ينضو الدرع سالبه؟فقالت لها مي: «قاتلك اللّه!ما أنكر