المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٥٤ - محاسن الشكر
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه # لا يذهب العرف بين اللّه و النّاس
فقال كعب: «يا أمير المؤمنين من هذا الذي قال هذا؟هو مكتوب في التوراة» ؟فقال عمر: «كيف ذلك» ؟قال في التوراة مكتوب: «من يصنع الخير لا يضيع عندي لا يذهب العرف بيني و بين عبدي» .
و قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «أ ليس قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر، فما هذا الاجتهاد» ؟فقال: «أ فلا أكون عبدا شكورا» . و في الحديث «إن رجلا قال في الصلاة خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: «اللهم ربنا لك الحمد حمدا مباركا طيبا زكيا» ، فلما انصرف صلى اللّه عليه و سلم، قال: «أيكم صاحب الكلمة» ؟قال أحدهم: «أنا يا رسول اللّه» . فقال: «لقد رأيت سبعة و ثلاثين ملكا يتبدرون أيهم يكتبها أولا» و قيل: «نسيان النعمة أول درجات الكفر» . و قال أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه: «المعروف يكفر من كفره لأنه يشكرك عليه اشكر الشاكرين» ، و قد قيل في ذلك:
يد المعروف غنم حيث كانت # تحمّلها كفور أم شكور
فعند الشّاكرين لها جزاء # و عند اللّه ما كفر الكفور
و قال بعض الحكماء: «ما أنعم اللّه على عبد نعمة فشكر عليها إلاّ ترك حسابه عليها» . و قال بعض الحكماء: «عند التراخي عن شكر النعم تحل عظائم النقم» . و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم كثيرا ما يقول لعائشة ما فعل بيتك فتنشده:
يجزيك أو يثنى عليك و إنّ من # أثنى عليك بما فعلت كمن جزى
فيقول صلى اللّه عليه و سلم: «صدق القائل، يا عائشة، إن اللّه إذا أجرى على يد رجل خيرا فلم يشركه، فليس للّه بشاكر» . و قيل لذي الرمة: «لم خصصت بلال بن أبي بردة بمدحك» ؟قال: «لأنه وطأ مضجعي، و أكرم مجلسي، و احسن صلتي، فحق لكثير معروفه عندي أن يستولي على شكري» . و منهم من يقدم ترك مطالبة الشكر و ينسبه إلى مكارم الأخلاق، من ذلك ما قال بزرجمهر: «من انتظر بمعروفه شكرك عاجل المكافأة» ، و قال بعض