المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٧٦ - محاسن القيادة
بي نحو الرجل، بعيد العتمة، و قالت أمها: «أنا لك الفداء، تجلد ساعة بالامتناع، فإنه منصرف عنك. و ستأتيك الكافرة» . فأدخلتني على مثل الأسد إلا أن به لوثة كما قالت فاعتركنا حتى أعيا، و كف عني، و طال بي الليل حتى سمعت خرخرة جملي، فلم ألبث إلاّ هنيهة حتى جاءت أمها و خالتها و هي معهما، فجعلتها مكاني، و فتشت عن سرها فإذا هي قد ظلت مع إنسان كانت تهواه. و أتيت ثيابي، فنهضت مبادرا لا ألوي على شيء حذرا مما لقيت.
قال: و ملك النعمان بن المنذر أربعين سنة، فلم تر منه سقطة غير هذه ، و هو أنه ركب يوما فبصر بجارية قد خرجت من الكنيسة، فأعجبته لجمالها، فدعا بعدي بن زيد، و كان نديمه و وزيره، فقال له: «يا عدي! لقد رأيت جارية لئن لم أظفر بها أنه الموت، و لا بد من أن أتلطف أو تتلطف لي حتى تجمع بيني و بينها» ، قال: «و من هي» ؟قال: «سألت عنها فقيل: هي امرأة حكم بن عمرو رجل من أشراف الحيرة» . قال: «فهل أعلمت أحدا» !قال: «لا» ، قال: «فاكتمه فإذا أصبحت، فجدد الحكم كرامة و برا» .
فلما أذن للناس بدأ به فأجلسه معه على سريره و كساه، فاستعظم الناس ذلك، فلما أصبح بدأ أيضا بالاذن له و جمله فأنكر الناس ذلك. فقالوا: «ما هذا إلاّ لأمر» . فصنع به ذلك أياما؛ ثم قال له عدي: «أيها الملك، عندك عشر نسوة، فطلق إحداهن، ثم قل له فليتزوجها» ففعل، فلما دخل عليه، قال: «يا حكم ما كانت نفسي تسمح بهذا لولد فتزوج فلانة، فقد طلقتها» ، فخرج حكم إلى عدي فقال: «يا أبا عويمر، ما صنع الملك بأحد ما صنع بي، و ما أدري بما أكافيه» . قال له عدي: «طلق امرأتك كما طلق لك امرأته» ، ففعل و حظي بها عدي عنده، و علم حكم أنه قد مكر به في امرأته. و فيه يقول الشاعر:
ما في البريّة من أنثى تعادلها # إلاّ الذي أخذ النّعمان من حكم
و حدث الفضل بن العباس عن الزبير بن بكار، عن محمد بن بشير