المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٢٦ - محاسن وفاء النساء
بين يديه؛ فقالت لها الهندية: «ما كان أعظم زهوك في رسالتك» ؟قالت:
«يا سيدتي، أ تأذنين لي في الكلام» ؟قالت: «تكلمي» ، قالت: «أيتها السيدة، لست متوجهة إليك بشيء هو أملك بك من حلمك، و لا أعطف عليّ من فضلك؛ و لم يظلم من رفع فوقي من هو أفضل مني، و كل فرع يرجع إلى أصله، و كل زهر ينسب إلى سنخه» فقالت: «صدقت، فدعي عنك كلام الأدب، فقد ملكتك على رغم أنفك، و أنا مزوجتك من فلان خادمي، فليس لك فضل عليه» . قالت ابنة السائس: «من اعتاد معالي الأمور، لم تطب نفسه باسافلها، و من صاحب العظماء، أبت غريزته الأدنياء؛ و إنما ترقبت عطفك، و رجوت حسن نظرك؛ فأما إذا عزمت على هذا، فقد طاب الموت، و ما الذي استبقي منك» ؟ ثم قالت: «أيها الملك، إن جذل المسرّة منك لا يستقر و يقع موقعه إلاّ بعد المخالفة عندك. فاحترس من هذه الهندية، فإنها لا تؤمن عليك، لأنها ليست من جنسك فيعطفها عليك الرحم، و لا من أهل مملكتك، فتعرف تطولك عليها. و إنما هي شبيهة بموتورة قد قتلت أباها، و هدمت عزها، فاحترس منها، و لا يلهينك موقعها من قلبك، فإنها متى احتالت في قتلك، لم يكن في أيدينا من الظفر إلاّ قتلها، كما كان من أمر الثعلب و عظيم الطير، فقال الملك: و ما كان من حديثهما؟قالت: يقال إن ثعلبا جاع في ليلة، فرقي شجرة ليأكل منها، فسال الوادي الذي فيه تلك الشجرة بسيل شديد، فاقتلعها و الثعلب عليها، ثم رفعها و وضعها، حتى ألقي الثعلب إلى أرض بعيدة من أرضه؛ فأصبح، و قد ألقاه السيل، إلى سفح جبل كثير الأشجار، مثمر الأغصان، و على تلك الأشجار جنس من الطير لا يحصى عددا؛ فأقعى إلى شجرة قصيا، مقشعرا، لا يعرف أرضه، و لا يقدر على مؤالفة الدواب. فمر به عظيم الطير، فقال له: «ما أنت» ؟فقال: «أنا دابة سال بي السيل، فألقاني في جبلكم، و قد أصبحت غريبا» . فقال له عظيم الطير: «فهل لك حرفة» ؟قال: «نعم. أعرف الثمار إذا بلغت حد بلوغها، و أصنع للطير أكنافا في الأرض، تكنّ فيها فراخها من الحرّ و البرد» ،