المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٧٧ - محاسن القيادة
الخارجي قال: «قدم علينا رجلان من أهل المدينة يصيدان و معهما نسوة، و الفساطيط مضروبة. و كان سليمان بن عبد اللّه الأسلمي و ابن أخ له مقيمين بناحية الروحاء. فأرسل النسوة إلى سليمان و ابن أخيه: «أ ما لكما حاجة في الحديث» ؟فرد الرسول: «إن يكن لنا فيه حاجة، فكيف لنا بذلك مع ازواجكن» ؟فقلن: «إنما خرج ازواجنا للصيد و قد بلغنا أن لكما صاحبا يعرف من طلب الصيد ما لا يعرفه غيره فلو طرح لهم شيئا من ذكره لا سرعوا إليه، و تخلفتم و تحدثتم ما شئتم» ، يعنين به محمدا بن بشير، فمضى إليه سليمان و ابن أخيه فقال: «يا أبا محمد!أرسل إلينا النسوة بكذا و كذا، و سألنني أن أخرجك إلى الصيد، فقلت: «لا و اللّه لا أفعل و لا أتعب و لا أنصب و أنتم تتلهّون و تتحدثون إنا لذا أشد حبا، و أكثر صبابة و شوقا فأرسلا إلى النسوة بمقالتي، فأرسلن إليّ رسولا و عاهدنني لئن اخرجتهم ليحتلن لي حتى أخلو معهن ليلة حتى الصبح» ، فصرت إليهم، و ذكرت لهم الصيد فخرجوا معي، فما زلت أحدثهم بالصدق حتى أخذت في الكذب مما يضارع الصدق حتى أفنيته، فأقمت معهم ثلاثة أيام و لياليها، ثم انصرفوا من غير أن اصطدنا شيئا، فقلت في ذلك:
إني انطلقت معي قوم ذوو حسب # ما في خلائقهم زهو و لا حمق
إني لأعجب منهم كيف أخدعهم # أم كيف آفك قوما ما بهم رهق [١]
أظلّ في الأرض ألهيهم و أخبرهم # أخبار قوم و ما كانوا و لا خلقوا
و لو صدقت لقلت القوم قد دخلوا # حين انطلقنا و إني ساعة انطلقوا
فلو أجاهد ما جاهدت دونكم # في المشركين لأدركت الأولى سبقوا
إن كنت أبدأ جاري من حلائلكم # و الدّهر ذو عنف أيّامه طرق
فإنّ كلّ جديد عائد خلقا # فلن يعود جديدا ذلك الخلق
قال: فظفر أصحابي بالحديث و المغازلة، و أنا بالجهد و الخيبة مع أتم القيادة [٢] و التعب و كذب المحادثة. و حدثنا وهب بن سليمان عن عمه الحسن
[١] الإفك: الكذب. الرهق: الحمق و الخفة.
[٢] القيادة: لم أجد في لسان العرب هذا المعنى الذي يعطيه الكاتب لها هنا.