المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ١٦١ - محاسن الدنيا و مساوئها
محاسن الدنيا[و مساوئها]
قال علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه: «الدنيا دار صدق لمن صدقها، و دار عافية لمن لها عنها، و دار غنى لمن تزود منها، مسجد أنبياء اللّه، و مهبط وحيه، و مصلى ملائكته، و متجر أوليائه يكسبون فيها الرحمة، و يربحون فيها الجنة، فمن ذا يذمّها؟و قد آذنت ببنيها، و نادت بفراقها، و نعت نفسها، و شوقت بسرورها إلى السرور، و ببلائها إلى البلاء تخويفا و تحذيرا، و ترغيبا و ترهيبا. فيا أيها الذام للدنيا و المفتتن بغرورها متى غرتك: أ بمصارع آبائك من البلى، أم بمضاجع امهاتك تحت الثرى؟كم عللت بكفيك، و كم مرضت بيديك؟تبتغي لهم الشفاء، و تستوصف لهم الأطباء، و تلتمس لهم الدواء؟لم تنفعهم بطلبتك، و لم تشفعهم بشفاعتك، و لم تستشفهم باستشفائك بطبك. مثلت بهم الدنيا مصرعك و مضجعك، حيث لا ينفعك بطاؤك، و لا يغني عنك أحباؤك» .
ثم التفت إلى قبور هناك، فقال: «يا أهل الثراء و العزّ، الأزواج قد نكحت، و الأموال قد قسمت، و الدور قد سكنت. هذا خير ما عندنا، فما خير ما عندكم» ؟ثم قال لمن حضر: «و اللّه، لو أذن لهم لأجابوا بأن خير الزاد التقوى» . و أنشد:
ما أحسن الدّنيا و إقبالها # إذا أطاع اللّه من نالها
من لم يواس من فضلها # عرّض للإدبار إقبالها
قال أبو حازم [١] : «الدنيا طالبة و مطلوبة. طالب الدنيا يطلبه الموت
[١] أبو حازم: هو سلمة بن دينار المخزومي (-١٤٠ هـ) و يقال له الأعرج. عالم المدينة و قاضيها. كان زاهدا عابدا. بعث إليه سليمان بن عبد الملك ليأتي إليه، فأجاب:
إن كانت له حاجة فليأت.