المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ١٦٣ - محاسن الدنيا و مساوئها
لك إلى لئيم حاجة، و لا زالت لكريم إليك حاجة، و عقد لك المنن في أعناق الكرام، و لا أزال بك عن كريم نعمة، و لا أزالها بغيرك إلاّ جعلك سببا لردها عليه» .
قال: و قال عبد اللّه بن مروان لسلم بن يزيد الفهمي: «أي الزمان أدركت أفضل و أي ملوكه أكمل» ؟قال: «أما الملوك فلم أر إلاّ ذامّا و حامدا، و أما الزمان فرفع أقواما و وضع آخرين، و كلهم يذم زمانه لأنه يبلي جديدهم و يهرم صغيرهم، و كل ما فيه منقطع إلاّ الأمل» ، قال: «فأخبرني عن فهم» ، قال: هم كما قال الشاعر:
درج اللّيل و النّهار على فهـ # م بن عمرو فأصبحوا كالرّميم
و خلت دارهم فأضحت قفارا # بعد عزّ و ثروة و نعيم
و كذاك الزّمان يذهب بالنّا # س و تبقى ديارهم كالرّسوم
قال: فمن يقول منكم:
رأيت النّاس مذ خلقوا و كانوا # يحبّون الغني من الرّجال
و إن كان الغني أقلّ خيرا # بخيلا بالقليل من النّوال
فلا أدري علام و فيم هذا # و ما ذا يرتجون من المحال
أ للدّنيا فليس هناك دنيا # و لا يرجى لحادثة اللّيالي
قال: أنا، و قد كتمتها. قال: و لما دخل علي صلوات اللّه عليه المدائن فنظر إلى إيوان كسرى أنشد بعض من حضره قول الأسود بن يعفر [١] :
ما ذا يؤمّل بعد آل محرّق # تركوا منازلهم و بعد إياد [٢]
أهل الخورنق و السّدير و بارق # و القصر ذي الشرفات من سنداد
نزلوا بأنقرة يسيل عليهم # ماء الفرات يجيء من أطواد
[١] الأسود بن يعفر النهشلي الدارمي التميمي (-٢٢ ق. هـ) شارع جاهلي سيد من أهل العراق. كان فصيحا جوادا. نادم النعمان بن المنذر. و له ديوان شعر.
[٢] آل محرق بنى بهم المنادرة ملوك الحيرة في العصر الجاهلي.