المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٣٣٢ - القيان
فهبني عودا جوفه تحت متنه # يمتّعني ما بين نحرك و الذّقن!!
فلما سمعت شعري رمت بالطبل في وجهي، و دخلت الخيمة، فوقفت حتى حميت الشمس على مفرقي و لم تخرج، فانصرفت قريح القلب، فهذا التغيّر من عشقي لها» .
فضحك الرشيد حتى استلقى، و قال: «ويلك، يا عبد الملك!ابن ستّ و تسعين و تعشق» ؟!فقلت: «قد كان هذا» !فقال: «يا عبّاس، أعط عبد الملك مائة ألف درهم، و ردّه إلى مدينة السلام» . فانصرفت، ثم أتاني خادم، فقال: «إنا رسول ابنتك يعني الجارية، تقول لك: إن أمير المؤمنين قد أمر لها بمال، و هذا نصيبك» ، فدفع إليّ ألف دينار، و لم تزل تواصلني بالبرّ الواصل حتى كانت فتنة محمد، و انقطع خبرها، و أمر الفضل لي بعشرة آلاف درهم.
و عن عليّ بن الجهم لما أفضت الخلافة إلى المتوكل، أهدى إليه الناس على أقدارهم، فأهدى إليه ابن طاهر جارية أديبة تسمى «قبيحة» ، تقول الشعر و تلحنه، و تحسن من كل علم أحسنه، فحلّت من قلب المتوكل محلا جليلا، فدخلت يوما للمنادمة، و خرج المتوكل و هو يضحك، و قال:
يا علي، دخلت فرأيت «قبيحة» كتبت على خدها بالمسك «جعفر» ، فما رأيت أحسن منه، فقل فيه شيئا، فسبقتني محبوبة، و أخذت عودها فغنّت:
و كاتبة بالمسك في الخدّ جعفرا # بنفسي خطّ المسك من حيث أثّرا
لئن أودعت سطرا من المسك خدّها # لقد أودعت قلبي من الوجد أسطرا
فيا من لمملوك يظلّ مليكه # مطيعا له فيما أسرّ و أجهرا
و يا من لعيني من رأى مثل جعفر # سقى اللّه صوب المسكرات لجعفرا
قال: فنقلت خواطري، حتى كأني ما أحسن حرفا من الشعر، و قلت للمتوكل: «أقلّ، فقد، و اللّه، غرب عني ذهني» ، فلم يزل يعيّرني به، ثم دخلت عليه للمنادمة، بعد ذلك، فقال: «يا عليّ، أعلمت أني قد غاضبت «محبوبة» ، و أمرتها بلزوم مقصورتها، و منعت أهل القصر من