المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٧٩ - محاسن الصحبة
محاسن الصحبة
قيل: قال علقمة بن ليث لابنه: يا بني، إن نازعتك نفسك إلى الرجال يوما لحاجتك إليهم فاصحب من إن صحبته زانك، و إن تخففت له صانك، و إن نزلت بك مئونة مانك، و إن قلت صدق قولك، و إن صلت شدد صولك، أصحب من إذا مددت إليه يدك لفضل مدها، و إن رأى منك حسنة عدها، و إن بدت منك ثلة سدّها، و أصحب من لا تأتيك منه البوائق، و لا تختلف عليك منه الطرائف و لا يخذلك عند الحقائق، و قال آخر: أصحب من خولكم نفسه و ملكك خدمته و تخيرك لزمانه، فقد وجب عليك حق و ذمامه. و كان يقال: من قبل صلتك فقد باعك مروءته و أذل لقدرك عزه. و قال بعضهم لصاحبه: أنا أطوع لك من اليد و أذل من النعل.
و قال بعضهم: إذا رأيت كلبا ترك صاحبه و تبعك فارجمه فإنه تاركك كما ترك صاحبه. و قال ابن أبي دؤاد [١] لرجل انقطع إلى محمد بن عبد الملك الزيات [٢] : ما خبرك مع صاحبك؟فقال: لا يقصر في الاحسان إليّ، فقال: يا هذا إن لسان حالك يكذب لسان مقالك.
و ضده، قال: كان يوسف بن عمر الثقفي يتولى العراقين لهشام بن عبد الملك، و كان مدموما في عمله، فخبرني المدائني قال: وزن يوسف بن عمر درهما فنقص حبة فكتب إلى دور الضرب بالعراق يضرب أهلها مائة.
[١] أحمد بن أبي دؤاد قاضي القضاة في عهد المعتصم و الواثق، أشرف على محاكمة الإمام أحمد بن حنبل في محنته خلق القرآن. أحد شيوخ المعتزلة.
[٢] محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم و الواثق، معتزلي نكبه المتوكل أثر توليه الخلافة و انقلابه على المعتزلة.