المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٥٦ - محاسن الغيرة و الحجاب
فلما سمعت جديس شعرها، أنفت أنفا شديدا، و أخذتهم الحمية، فتآمروا بينهم و عزموا على اغتيال الملك، و جنوده فقالوا: «إن نحن بادهناهم بالحرب لم نقو عليهم لكثرة جندهم و انصارهم» ، فاتفقوا على ذلك، ثم أن الأسود أتى الملك فقال: «إني أحب أن تجعل غداءك عندي أنت و جنودك» ، فقال عمليق: «إن عدد القوم كثير، و أحسب أن البيوت لا تسعهم» ، فقال الأسود: «فنخرج لهم الطعام إلى بطن الوادي» ، فقال لقومه: «إذا اشتغل القوم بالأكل فسلوا سيوفكم، و اعملوا على أن تحملوا حملة رجل واحد و اقتلوهم عن آخرهم» ، و هيأ الأسود ما احتاج إليه من الطعام، و جاء الملك، فلما أكب القوم على الأكل، بادرت جديس إلى سيوفهم، ثم حملت على الملك و على جنوده و الأسود يرتجز و يقول:
يا صبحة يا صبحة العروس # حتّى تمشّت بدم جميس
يا طسم ما لقيت من جديس # هلكت يا طسم فهيسي هيسي
فقتلوه و جنوده جميعا.
و مثله الفطيون [١] ملك تهامة و الحجاز، فإنه سلك مسلك عمليق في ملك طسم و جديس في أمر الناس، فأمر أن لا تزف من اليهود في مملكته امرأة إلاّ بدءوه بها، فلبث على ذلك عدة أحوال حتى زوجت امرأة من اليهود من ابن عم لها، و كانت ذات جمال رائع، و كانت أخت مالك بن عجلان من الرضاعة، فلما أراد أن يهدوها إلى زوجها، خرجت إلى نادي الأوس و الخزرج، رافعة ثوبها إلى سرتها، فقام إليها مالك بن العجلان فقال:
« ويحك و ما دهاك» ؟فقالت: «و ما يكون من الداهية أعظم من أن ينطلق بي إلى غير بعلي بعد ساعة» ؟فأنف من ذلك أنفا شديدا، فدعا ببزة امرأة فلبسها، فلما انطلقوا بالمرأة إلى الفطيون صار كواحدة من نسائها اللواتي ينطلقن بها متشبها بامرأة، و قد أعد سكينا في خفه، فلما دخلت المرأة على
[١] الفطيون، رئيس اليهود في المدينة في العصر الجاهلي. اسمه عامر بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو. كان يفترع النساء قبل ازواجهن.