المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٩٧ - مساوئ البخل
كشحا. و أبى أن يعطيه شيئا فانتضى نجيح سيفا، فجعل يضربه حتى برد فلما وقع قتيلا تحول الرجل الحافظ للمال سعلاة، فأسرع في أكل سعد و عاد المال إلى مكانه فلما رأى نجيح ذلك ولى هاربا إلى قومه.
قيل: و كان أبو عبس بخيلا و كان إذا وضع الدرهم في يده نقره بإصبعه ثم يقول: كم من مدينة قد دخلتها، و يد قد وقعت فيها الآن، الآن استقر بك القرار و اطمأنت بك الدار، ثم يرمي به في صندوقه فيكون آخر العهد به. قيل: و نظر سليمان بن مزاحم إلى درهم فقال في شق: لا إله إلاّ اللّه، و في شق: محمد رسول اللّه، ما ينبغي أن تكون إلاّ معاذة، و قذفه في صندوقه. و ذكروا أنه كان بالري عامل على الخراج يقال له المسيب فأتاه شاعر يمتدحه فلم يعطه شيئا ثم سعل سعلة فضرط، فقال الشاعر:
أتيت المسيب في حاجة # فما زال يسعل حتى ضرط
فقال: غلطنا حساب الخراج # فقلت من الضرط جاء الغلط
فما زالوا يقولون ذلك حتى هرب منها من غير عزل.
قال: و كتب ارسطاطاليس [١] إلى رجل بشيء فلم يفعل فكتب إليه: إن كنت أردت فلم تقدر فمعذور، و إن كنت قدرت و لم ترد، فسيأتيك يوم تريد فيه فلا تقدر.
قال: و سمع أبو الأسود الدؤلي رجلا يقول:
من يعشي الجائع؟فعشاه ثم قام الرجل ليخرج فقال: هيهات تخرج فتؤذي الناس كما آذيتني، و وضع رجله في الأدهم حتى أصبح. قال: و كان رجل يأتي ابن المقفع فيلح عليه و يسأله أن يتغدى عنده و يقول: لعلك تظن أني اتكلف لك شيئا و اللّه لا أقدم لك إلاّ ما عندي، فلما أتاه لم يجد في بيته إلاّ سكرا يابسة و ملح جريش. و جاء سائل إلى الباب فقال له: وسّع اللّه
[١] أرسطاطاليس (٣٨٤-٣٢٢ ق. م فيلسوف يوناني كبير، تعلم في مدرسة أفلاطون بإثينا ثم علم فيها و خالف استاذه) في نظرية المثل، و عمل مؤدبا للإسكندر المقدوني و وضع علم المنطق، أهم كتبه: الميتافيزقيا، النفس، الأخلاق، المنطق.