المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ١٦٤ - محاسن الدنيا و مساوئها
أرض تخيّرها لطيب نسيمها # كعب بن مامة و ابن أمّ دواد
جرت الرّياح على محلّ ديارهم # فكأنّما كانوا على ميعاد
فإذا النعيم و كلّ ما يلهى به # يوما يصير إلى بلى و نفاد
و قال عليّ صلوات اللّه عليه: «أبلغ من ذلك قول اللّه تعالى: «كم تركوا من جنات و عيون و زروع و مقام كريم و نعمة كانوا فيها فاكهين كذلك، و أورثناها قوما آخرين، فما بكت عليهم السماء و الأرض و ما كانوا منظرين» .
و قال عبد اللّه بن المعتزّ: «أهل الدنيا كركب، يسار بهم، و هم نيام» . و قال غيره: «طلاق الدنيا مهر الجنة» ، و ذكروا أن أعرابيا ذكر الدنيا، فقال: «هي جمّة المصائب، رنقة المشارب» . و قال آخر: «الدنيا لا تمتعك بصاحب» . قال أبو الدرداء: «من هوان الدنيا على اللّه تعالى أنه لا يعصى إلا فيها، و لا ينال ما عنده إلاّ بتركها» . و قال: «إذا أقبلت الدنيا على امرئ أعارته محاسن غيره، و إذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه» .
و قال الشاعر:
أيا دنيا حسرت لنا قناعا # و كان جمال وجهك في النّقاب
ديار طالما حجبت و عزّت # فأصبح إذنها سهل الحجاب
و قد كانت لنا الأيام ذلّت # فقد قرنت بأيّام صعاب
كأنّ العيش فيها كان ظلاّ # يقلّبه الزّمان إلى ذهاب
قال الأصمعي: وجد في دار سليمان بن داود، عليه السلام، على قبّته مكتوبا:
و من يحمد الدّنيا لشيء يسرّه # فسوف لعمري عن قريب يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرة # و إن أقبلت كانت كثيرا همومها
و كان إبراهيم بن أدهم [١] ينشد:
[١] إبراهيم بن أدهم (-١٦١) زاهد مشهور، تخلى عن ثروة والده و عاش فقيرا صائما متجولا بين العراق و الشام و الحجاز يأخذ عن العلماء و يتعبد للّه.