المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٩١ - محاسن السخاء
و الجأهم العطش فظلوا فتصافنوا ماءهم فجعل النميري يشرب نصيبه فإذا أراد كعب أن يشرب نصيبه قال: آثر أخاك النمري فيؤثره حتى أضرّ به العطش فلما رأى ذلك استحث ناقته و بادر حتى رفعت أعلام الماء و قيل له: رد كعب فإنك وارد فمات قبل أن يرد و نجا رفيقه. و من قول أبي تمام:
هو البحر من أي النواحي أتيته # فلجّته المعروف و الجود ساحله
كريم إذا ما جئت للعرف طالبا # حباك بما تحوي عليه أنامله
فلو لم يكن في كفه غير نفسه # لجاد بها فلتتّق اللّه سائله
و للبحتري:
لو أن كفك لم تجد لمؤمّل # لكفاه عاجل وجهك المتهلّل
و لو أن مجدك لم يكن متقادما # اغناك آخر سؤدد عن أول
و لبكر بن النطاح في أبي دلف:
بطل بصدر حسامه و سنانه # أجلان من صدر و من أبراد
ورث المكارم و ابتناها قاسم # بصفائح و اسنة و جياد
يا عصمة العرب التي لو لم تكن # حيا إذا كانت بغير عماد
إنّ العيون إذا رأتك بعزمه # فتّحت منه مواضع الأسداد
و كأن رمحك منقع في عصفر # و كان سيفك سلّ من فرصاد [١]
لو صال من غضب أبو دلف على # بيض السيوف لذبن في الأغماد
أورى و نوّر للعداوة و الهوى # نارين: نار دم و نار زناد
قال أبو هفان [٢] : انتشرت هذه الأبيات[حتى انتهت إلى]عبد العزيز بن أبي دلف بسر من رأى فقال: هل سمعت بمثل هذه الأبيات؟قلت: لا،
[١] الفرصاد: الزبيب الأحمر، الحمرة.
[٢] أبو هفان (-٢٥٧ هـ) عبد اللّه بن أحمد بن حرب المهزمي العبدي، راوية، شاعر، و عالم بالشعر و الأدب، بصري سكن بغداد و عاش فيها فقيرا. له أخبار الشعراء، صناعة الشعر.