المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ٢٥٣ - محاسن الغيرة و الحجاب
أسكن إلى سكوني إليك، إذ حللت من قلبي المحل الذي أنت به، و قد رأيت أن تحمل لي مالا إلى هناك للتجارة، و تدخل بلاد الروم فتقيم بها، فإذا بعت ما معك، حملت مما في بلادهم من تجاراتهم، و أقبلت إليّ، و في خلال ذلك تصغي إلى أخبارهم، و تطلع إلى ما بنا الحاجة إلى معرفته من أمورهم و أسرارهم» . فقال: «أفعل أيها الملك، و أرجو أن أبلغ في ذلك محبة الملك و رضاه» .
فأمر له بمال، و تجهز الرجل و خرج بتجارته، فأقام في بلاد الروم حتى باع و اشترى، و فهم من كلامهم و لغاتهم ما عرف به مخاطباتهم، و بعض أسرار ملكهم.
و انصرف إلى أنوشروان بذلك، فأراه الايثار به، و زاد في بره، و رده إلى بلادهم، و أمره بالمقام و التربص بتجارته، ففعل حتى عرف، و استفاض ذكره، فلم تزل تلك حاله ست سنين، حتى إذا كانت السنة السابعة أمر الملك أن تصور صورة الرجل في جام من جاماته التي يشرب فيها، و تجعل صورته بإزاء صورة أنوشروان، و يجعل مخاطبا لأنوشروان، و مشيرا عليه و إليه، و يدني رأسه من رأس الملك في تلك الصورة، كأنه يساره، ثم وهب ذلك الجام لبعض خدمه، و قال: «إن الملوك يرغبون في مثل هذا الجام، فإذا أردت بيعه فادفعه إلى فلان إذا خرج نحو بلاد الروم بتجارته و قل له، يبيعه من الملك نفسه فإنه ينفعك، فإن لم يمكنه بيعه من الملك، باعه من وزيره أو بعض خاصته» .
فجاء غلام الملك بالجام، و قد وضع الرجل رجله في الركاب، فسأله أن يبيع جامه من الملك، و أن يتخذ عنده بذلك يدا. و كان الملك يعز ذلك الغلام، و كان من خاصة غلمانه، و صاحب شرابه، فأجابه إلى ذلك، و أمر بدفع الجام إلى صاحب خزانته، و قال: «احفظه، فإذا صرت إلى باب الملك فليكن مما أعرضه عليه» .
فلما صار إلى باب الملك، دفع صاحب الخزانة إليه الجام، فعرضه على الملك فيما عرض عليه، فلما وقع الجام في يد الملك، نظر إليه،