المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ١٤٠ - محاسن المفاخرة
من في المجلس، ما هامتهم الأهوال، و لا حادوا عن الأبطال، كالليوث الضارية الباسلة الحنقة، فعندها و ليت هاربا و أخذت أسيرا، فقلدت قومك العار، لأنك في الحروب خوّار، أ تهرق دمي؟فهلا أهرقت دم من وثب على عثمان في الدار، فذبحه كما يذبح الحمل و أنت تثغو ثغاء النعجة، و تنادي بالويل و الثبور كالمرأة الوكعاء، ما دافعت عنه بسهم، و لا منعت دونه بحرب، قد ارتعدت فرائصك، و غشي بصرك، و استغثت كما يستغيث العبد بربه، فأنجيتك من القتل، ثم جعلت تبحث عن دمي، و تحض على قتلي، و لو رام ذلك معاوية معكم، لذبح كما ذبح ابن عفان، و أنت معه أقصر يدا، و أضيق باعا، و أجبن قلبا من أن تجسر على ذلك، ثم تزعم إني ابتليت بحلم معاوية؟أما و اللّه لهو أعرف بشأنه، و أشكر لنا إذ وليناه هذا الأمر، فمتى بدا له، فلا يغضين جفنه على القذى معك، فو اللّه لأعنّفنّ أهل الشام بجيش يضيق فضاؤه، و يستأصل فرسانه، ثم لا ينفعك عند ذلك الروغان و الهرب، و لا تنتفع بتدريجك الكلام، فنحن من لا يجهل آباؤنا الكرام القدماء الأكابر، و فروعنا السادة الأخيار الأفاضل، أنطق إن كنت صادقا» . فقال عمرو:
«ينطق بالخنا و تنطق بالصدق» ، ثم أنشأ يقول:
قد يضرط العير و المكواة تأخذه # لا يضرط العير و المكواة في النّار
«ذق وبال أمرك يا مروان» فأقبل عليه معاوية فقال: «قد نهيتك عن هذا الرجل، و أنت تأبى إلاّ انهماكا فيما لا يعنيك، أربع على نفسك فليس أبوه كأبيك، و لا هو مثلك. أنت ابن الطريد الشرير و هو ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم الكريم، و لكن رب باحث عن حتفه بظلفه» . فقال مروان: «ارم دون بيضتك، و قم بحجة عشيرتك» ، ثم قال لعمرو: «لقد طعنك أبوه فوقيت نفسك بخصيتيك، و منها ثنيت أعنتك، و قام مغضبا» . فقال معاوية: «لا تجار البحار فتغمرك، و لا الجبال فتقهرك، و استرح من الاعتذار» .
قال: و لقي عمرو بن العاص، الحسن بن علي عليهما السلام في الطواف، فقال: «يا حسن. أ زعمت أن الدين لا يقوم إلاّ بك و بأبيك؟فقد رأيت اللّه أقامه بمعاوية، فجعله ثابتا بعد ميله، و بينا بعد خفائه، أ فيرضى اللّه