المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ١٤٩ - محاسن المفاخرة
«يا ابن آدم، لم تفتخر، و إنما خرجت من سبيل بولين نطفة مشجت بأقذار» . و قال بعضهم لرجل: «أ تفتخر؟ ويحك و أولك نطفة مذرة، و آخرك جيفة قذرة، و أنت فيما بينهما وعاء عذرة، فما هذا الافتخار» ؟و روي عن ابن عباس، أنه قال: «الناس يتفاضلون في الدنيا بالشرف و البيوتات و الأمارات و الغنى و الجمال و الهيئة و المنطق، و يتفاضلون في الآخرة بالتقوى و اليقين، و أتقاهم أحسنهم يقينا، و أزكاهم عملا، و أرفعهم درجة» . و قيل في ذلك:
يزين الفتى في النّاس صحّة عقله # و إن كان محظورا عليه مكاسبه
و شين الفتى في النّاس قيّلة عقله # و إن كرمت آباؤه و مناسبه
و قيل لعامر بن قيس: «ما تقول في الإنسان» ؟قال: و ما أقول فيمن إن جاع ضرع و إن شبع بغى و طغى» . و قال بعض الحكماء: «لا يكون الشرف بالنسب. أ لا ترى أن أخوين لأب و أم يكون أحدهما أشرف من الآخر، و لو كان ذلك من قبل النسب لما كان لأحد منهم على الآخر فضل، لأن نسبهما واحد، و لكن ذلك من قبل الأفعال، لأن الشرف إنما هو بالفضل لا بالنسب» . قال الشاعر:
أبوك أبي و الجدّ لا شكّ واحد # و لكنّنا عودان آس و خروع
و بلغنا عن المدائني قال: ليس السؤدد بالشرف، و قد ساد الأحنف بن قيس بحلمه، و حصين بن المنذر برأيه، و مالك بن مسمع بمحبته في العامة، و سويد بن منجوف بعطفه على أرامل قومه، و ساد المهلب بن أبي صفرة بجميع هذه الخصال. و أما الشرف بالدين فالحديث المعروف عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم أنه أتاه أعرابي، فقال: «بأبي أنت و أمي، يا رسول اللّه، من أكرم الناس حسنا» ؟قال: «احسنهم خلقا و أفضلهم تقوى» ، فانصرف الأعرابي، فقال: «ردوه» ، ثم قال: «يا أعرابي، لعلك أردت أكرم الناس نسبا» ، قال: «نعم يا رسول اللّه» ، قال: «يوسف الصديق، صديق اللّه بن يعقوب إسرائيل اللّه بن إسحاق ذبيح اللّه بن إبراهيم خليل اللّه فأين مثل